المبحث الخامس
وقت الرضاع المحرم
المراد بوقت الرضاع المحرم أي بمدته وهي السن الذي يكون فيه الرضاع محرمًا للنكاح، ولا خلاف بين الفقهاء في أن الرضاع في الحولين يتعلق به التحريم، وإنما الخلاف فيما إذا رضع الطفل وعمره قد تجاوز الحولين على الأقوال الآتية:
القول الأول: ذهب أبو حنيفة [1] -رضي الله عنه- إلى أن زمن الرضاع المحرم هو ثلاثون شهرًا أو بزيادة ستة أشهر على الحولين.
القول الثاني: ذهب المالكية [2] والشافعية والحنابلة وأبو يوسف ومحمد من أصحاب أبي حنيفة إلى أن الرضاع الذي يقتضي التحريم هو ما كان في الحولين، وهو مروي عن عمر وابن عباس وابن مسعود وابن عمر والزهري وقتادة والشعبي وسفيان الثوري وأبو ثور وابن شبرمة.
القول الثالث: ذهب نفر من الحنفية إلى أن مدة الرضاع ثلاث سنوات؛ أي: بزيادة سنة على الحولين.
القول الرابع: روى ابن عبد الحكم عن مالك أنه زاد شهر أو شهرين على الحولين، ومعنى هذا أن الطفل إذا استمر في الرضاعة إلى ما بعد الحولين بشهر أو بشهرين تعلق التحريم بالرضاعة مادام لم يفطم.
سبب الخلاف: والسبب في اختلاف الفقهاء في مدة الرضاع ما يظن من معارضة آية الرضاع وهي قوله تعالى: (وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلاَدَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ) [3] ؛ لحديث عائشة: «إنما الرضاعة من المجاعة» فالآية توهم أن ما زاد على هذين الحولين ليس هو رضاع مجاعة من اللبن، والحديث يقتضي بعمومه أن الطفل ما دام غذاؤه اللبن فهو الرضاع المحرم [4] .
الأدلة:
أدلة أصحاب القول الأول:
استدل أبو حنيفة على أن مدة الرضاع المحرم ثلاثون شهرًا بالكتاب والسنة والمعقول:
أما الكتاب:
1 -فبقوله تعالى: (وَأُمَّهَاتُكُمُ اللاَّتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُم مِّنَ الرَّضَاعَةِ) [5] ، فالآية أثبتت الحرمة بالرضاع مطلقًا دون التعرض لزمان ومدة الرضاع.
(1) بدائع الصنائع ج4 ص6.
(2) حاشية الدسوقي ج2 ص503.- تكملة المجموع ج18 ص211 وما بعدها - المغني لابن قدامة ج8 ص177 - بدائع الصنائع ج4 ص6.
(3) سورة البقرة الآية 233.
(4) بداية المجتهد لابن رشد ج2 ص43.
(5) الآية 23 سورة النساء.