الصفحة 18 من 19

وليعلم أن أكثر أحكام الشريعة العملية مبنية على الظن الغالب الراجح ، يعرف ذلك أهل العلم وطلابه، بل أكثر قواعد الشرع مبينة على ذلك كما في قاعدة المصالح والمفاسد فإنها مبنية على الظنون ، وقد عرف أهل العلم أن الظن المعتبر ثلاث مراتب ظنٌ في أدنى المراتب وظنٌ في أعلاها وظنٌ متوسط ، كما قرر ذلك العز بن عبد السلام رحمه الله تعالى، وفائدة هذا التقسيم هو الرجوع عند الاختلاف إلى أعلى الظنون دون متوسطاتها وأدناها وإذا تعارض المتوسط مع الأدنى قدم المتوسط وهكذا .

إذا تبين هذا فإننا نقول ماذا يُراد بالتصنيف بالظن ؟؟

إن كان الشك المساوي فلا يصح ذلك وعليه ينزه قول النبي صلى الله عليه وسلم:"إياكم والظن فإن الظن أكذب الحديث".

وإن كان الظن المعتبر في الشرع وهو الغالب الراجح فهذا يصنف به ولا ريب عند أهل العلم رحمهم الله تعالى، ولذلك لو تأملت طريقة السلف في باب الجرح والتعديل والكلام في أهل البدع تراهم يعتبرون الظن .

فمثلًا بعضهم يقول: من أخفى علينا أو عنا بدعته لم تخفى علينا ألفته ، يعني أننا نعرفه من خلال من يجالس وإن لم يظهر البدعة في أقواله وأفعاله .

وقد قال يحيى بن سعيد القطان رحمه الله تعالى: لما قدم سفيان الثوري البصرة وكان الربيع بن صبيح له قدر عند الناس وله حظوة ومنزلة فجعل الثوري يسأل عن أمره ويستفسر عن حاله فقال:"ما مذهبه؟"قالوا:"مذهبه السنة"قال:"من بطانته ؟"قالوا:"أهل القدر"قال:"هو قدري"وقد علق ابن بطة رحمه الله تعالى على هذا الأثر بقوله: رحمة الله على سفيان الثوري:"لقد نطق بالحكمة فصدق، وقال بعلم فوافق الكتاب والسنة، وما توجبه الحكمة ويدركه العيان ويعرفه أهل البصيرة والبيان قال الله جل وعلا:"يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا بطانة من دونكم لا يألونكم خبالًا ودوا ما عنتم"."

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت