الصفحة 16 من 32

وكذلك فعل صلى الله عليه وسلم مع الغامدية، والتي اعترفت بالزنا فقال:"وَيْحَكِ ارْجِعِي، فَاسْتَغْفِرِي اللَّهَ، وَتُوبِي إِلَيْهِ". .. =ثم قال لها=:"حَتَّى تَضَعِي مَا فِي بَطْنِكِ".. =فلما أُخبر أنها وضعت قال=:"إِذًا لا نَرْجُمُهَا وَنَدَعُ وَلَدَهَا صَغِيرًا لَيْسَ لَهُ مَنْ يُرْضِعُهُ". انظر صحيح مسلم.

هذا التحقيق النبوي للمعترفين ينِمُّ عن رحمة وشفقة على المذنبين من الأمة، والتحقيق يتتبع الأحوال التي توجد فيها أدنى شبهة، حتى يسقطَ الحدُّ، بل بعد الاعتراف لو فر أثناء إقامة الحد فلا مانع من تركة ليتوب. قال الألباني: [والخلاصة؛ أن الحديثَ محمولٌ على من كان مثلَ ماعزٍ في الندم على ما فعل، وليس من عادته الزنى، فينبغي الستر عنه، وعدم التشهير به؛ بخلاف من لا؛ ووصل أمره إلى إشاعته والتهتُّك، فهذا هو الذي لا يجوز الستر عليه، وينبغي رفع أمرِه إلى الحاكم، ليقيم حكم الشارع الحكيم فيه. (المرقاة: 4/ 76) ] .

ومن هدي نبي الرحمة أنه نهى الأمة عن الاستهزاءِ بمن أقيمت عليهم الحدود أو سبِّهم أو لعنِهم، ومن فعل ذلك كان معاونا للشيطان على إخوانه، فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: أُتِيَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِسَكْرَانَ، فَأَمَرَ بِضَرْبِهِ؛ فَمِنَّا مَنْ يَضْرِبُهُ بِيَدِهِ، وَمِنَّا مَنْ يَضْرِبُهُ بِنَعْلِهِ، وَمِنَّا مَنْ يَضْرِبُهُ بِثَوْبِهِ، فَلَمَّا انْصَرَفَ قَالَ رَجُلٌ: (مَا لَهُ؟ أَخْزَاهُ اللَّهُ!) فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:"لا تَكُونُوا عَوْنَ الشَّيْطَانِ عَلَى أَخِيكُمْ". صحيح البخاري

13 -ومن رحمته أنه يرحم العصاة والمذنبين، وأصحاب الخطايا والآثام؛ فإنه صلى الله عليه وسلم يرحمهم ويحثهم على التوبة، ومن رحمته بهم يقيم عليهم الحدود حتى لا يعذبوا يوم القيامة بنار جهنم، قال تعالى: {قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ} (الزمر: 53) . وهذا رجل غلبته شهوته على الشراب، ويتكرر منه ذلك مع أنه يحدُّ ويجلد، ولكنه يحب الله ورسوله، ويعتذر له نبي الرحمة، وينهى عن شتمه، عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ أَنَّ رَجُلًا عَلَى عَهْدِ النَّبِىِّ -صلى الله عليه وسلم- كَانَ اسْمُهُ عَبْدَ اللَّهِ، وَكَانَ يُلَقَّبُ حِمَارًا، وَكَانَ يُضْحِكُ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم-، وَكَانَ النَّبِىُّ -صلى الله عليه وسلم- قَدْ جَلَدَهُ فِى الشَّرَابِ، فَأُتِىَ بِهِ يَوْمًا فَأَمَرَ بِهِ فَجُلِدَ، فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الْقَوْمِ: (اللَّهُمَّ الْعَنْهُ! مَا أَكْثَرَ مَا يُؤْتَى بِهِ!) . فَقَالَ النَّبِىُّ -صلى الله عليه وسلم-: «لاَ تَلْعَنُوهُ، فَوَاللَّهِ مَا عَلِمْتُ أَنَّهُ يُحِبُّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ". صحيح البخاري."

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت