وليس كلُّ اعتراف مقبولا، بل لا بد أن يكون اعترافا خاليا من الإكراه، والسكر والجنون، روى أحمد في مسنده: عن يَزِيدَ بْنِ نُعَيْمِ بْنِ هَزَّالٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: كَانَ مَاعِزُ بْنُ مَالِكٍ فِى حِجْرِ أَبِى، فَأَصَابَ جَارِيَةً مِنَ الْحَىِّ، فَقَالَ لَهُ أَبِى: (ائْتِ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- فَأَخْبِرْهُ بِمَا صَنَعْتَ، لَعَلَّهُ يَسْتَغْفِرُ لَكَ) . وَإِنَّمَا يُرِيدُ بِذَلِكَ رَجَاءَ أَنْ يَكُونَ لَهُ مَخْرَجٌ، فَأَتَاهُ فَقَالَ: (يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنِّى زَنَيْتُ فَأَقِمْ عَلَىَّ كِتَابَ اللَّهِ) . فَأَعْرَضَ عَنْهُ ثُمَّ أَتَاهُ الثَّانِيَةَ فَقَالَ: (يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنِّى زَنَيْتُ فَأَقِمْ عَلَىَّ كِتَابَ اللَّهِ) . ثُمَّ أَتَاهُ الثَّالِثَةَ فَقَالَ: (يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنِّى زَنَيْتُ فَأَقِمْ عَلَىَّ كِتَابَ اللَّهِ) .
ثُمَّ أَتَاهُ الرَّابِعَةَ فَقَالَ: (يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنِّى زَنَيْتُ فَأَقِمْ عَلَىَّ كِتَابَ اللَّهِ) . فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم-: «إِنَّكَ قَدْ قُلْتَهَا أَرْبَعَ مَرَّاتٍ فَبِمَنْ؟» . قَالَ: (بِفُلاَنَةَ) . قَالَ: «هَلْ ضَاجَعْتَهَا؟» . قَالَ: (نَعَمْ) . قَالَ: «هَلْ بَاشَرْتَهَا؟» . قَالَ: (نَعَمْ) . قَالَ: «هَلْ جَامَعْتَهَا؟» . قَالَ: (نَعَمْ) . قَالَ: فَأَمَرَ بِهِ أَنْ يُرْجَمَ -قَالَ-: فَأُخْرِجَ بِهِ إِلَى الْحَرَّةِ، فَلَمَّا رُجِمَ فَوَجَدَ مَسَّ الْحِجَارَةِ؛ جَزَعَ، فَخَرَجَ يَشْتَدُّ، فَلَقِيَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُنَيْسٍ؛ وَقَدْ أَعْجَزَ أَصْحَابَهُ، فَنَزَعَ لَهُ بِوَظِيفِ بَعِيرٍ فَرَمَاهُ بِهِ فَقَتَلَهُ. -قَالَ-: ثُمَّ أَتَى النَّبِىَّ -صلى الله عليه وسلم- فَذَكَرَ ذَلِكَ لَهُ، فَقَالَ: «هَلاَّ تَرَكْتُمُوهُ لَعَلَّهُ يَتُوبُ فَيَتُوبَ اللَّهُ عَلَيْهِ!» . قَالَ هِشَامٌ: فَحَدَّثَنِى يَزِيدُ بْنُ نُعَيْمِ بْنِ هَزَّالٍ، عَنْ أَبِيهِ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- قَالَ لأَبِى حِينَ رَآهُ: «وَاللَّهِ يَا هَزَّالُ! لَوْ كُنْتَ سَتَرْتَهُ بِثَوْبِكَ؛ كَانَ خَيْرًا مِمَّا صَنَعْتَ بِهِ» . أخرجه أحمد واللفظ له (5/ 216 و217) ، وأبو داود (4419 و4377) ، والنسائي في (السنن الكبرى) (4/ 305ـ306/ 7274) ، والحاكم (4/ 363) ، والبيهقي في (السنن) (8/ 219 و228) ، وابن أبي شيبة في (المصنف) (10/ 78ـ 79) ، وابن عبد البر في «التمهيد» (23/ 126) ؛ بعضهم مختصرًا. انظر السلسلة الصحيحة الكاملة ح (3460) . وأصل قصة الاعتراف في صحيح مسلم.
انظر إلى هذا التحقيق النبوي، الذي فيه الرحمة على المعترف، يبحث له عن أي شبهة حتى لا يقيم عليه الحدَّ، ومن ذلك قول:"وَيْحَكَ! ارْجِعْ فَاسْتَغْفِرْ اللَّهَ، وَتُبْ إِلَيْهِ"."أَبِهِ جُنُونٌ؟""أَشَرِبَ خَمْرًا؟"فلو كان الجواب بنعم؛ لما أقام عليه حدًّا والله تعالى أعلم. ويوجه له الأسئلة المباشرة:"أَزَنَيْتَ؟" «هَلْ ضَاجَعْتَهَا؟» «هَلْ بَاشَرْتَهَا؟» «هَلْ جَامَعْتَهَا؟» . بل كان يلقنه الأعذار لعلك قبلت أو غمزت، وتركه إن تراجع «هَلاَّ تَرَكْتُمُوهُ لَعَلَّهُ يَتُوبُ فَيَتُوبَ اللَّهُ عَلَيْهِ!» .