وفي (التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد) (6/ 348) قال ابن عبد البر: [ففي قوله صلى الله عليه وسلم في هذه الأحاديث:"لم يبلغوا الحنث"ومعناه عند أهل العلم؛ لم يبلغوا الحلم، ولم يبلغوا أن يلزمهم حنث؛ دليل على أن أطفال المسلمين في الجنة لا محالة والله أعلم، لأن الرحمةَ إذا نزلت بآبائهم من أجلهم؛ استحال أن يرحموا من أجل من ليس بمرحوم، ألا ترى إلى قوله صلى الله عليه وسلم:"بفضل رحمته إياهم"، فقد صار الأب مرحوما بفضل رحمتهم] .
وفي صحيح الأدب المفرد (1/ 41) ح (89) ، باب الوالدات رحيمات: عن أنس بن مالك قال: (جاءَت امرأةٌ إلى عائشةَ رضي اللهُ عنها، فأعْطتْها عائشةُ ثلاثَ تمرات، فأعطت كلَّ صبيٍّ له تمرةً، وأمسكت لنفسها تمرة، فأكلَ الصبيانِ التمرتين ونظرا إلى أمهما، فعمدتْ إلى التمرةِ فشقتها، فأعطت كلَّ صبيٍّ نصفَ تمرةٍ، فجاء النبي صلى الله عليه وسلم فأخبرته عائشة، فقال:"وما يعجبك من ذلك؟ لقد رحمها برحمتها صبيَّيْها") . فأقرَّها على هذه الرحمة.
ولقد كانت رحمتُه صلى الله عليه وسلم تتجاوز حدود أولاده وأحفاده، إلى بقية الأطفال والموالي، عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا؛ (كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَاخُذُنِي فَيُقْعِدُنِي عَلَى فَخِذِهِ، وَيُقْعِدُ الْحَسَنَ عَلَى فَخِذِهِ الأُخْرَى، ثُمَّ يَضُمُّهُمَا ثُمَّ يَقُولُ:"اللَّهُمَّ ارْحَمْهُمَا فَإِنِّي أَرْحَمُهُمَا") . البخاري .
12 -أما الرحمة في الحدود والتعزيرات؛ فإنها لم تشرع انتقاما، ولم تسنّ ظلما وإجحافا، وإنما شرع ذلك للعدل والإنصاف والحكمة، وليسودَ الأمنُ والسلامُ ولتعمَّ الرحمة، فمن ذلك إذا وقع من بعض الناس ما يقتضي الحدَّ كالسرقة مثلًا، أو اقتضى التعزيرَ كالشتم والسبّ؛ فالأصلُ التعافي والتسامحُ والتصالح، وعدمُ رفع الأمر إلى الإمام، وذلك من توجيهات نبيِّ الرحمة وإرشاداته عليه الصلاة والسلام، فعَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:"تَعَافَوْا الْحُدُودَ قَبْلَ أَنْ تَاتُونِي بِهِ، فَمَا أَتَانِي مِنْ حَدٍّ فَقَدْ وَجَبَ". النَّسائي ح (4885) وأبو داود (4376) . الصحيحة (1638) .
وحتى لا يُظلمَ البريء، ولا يجرَّمَ المظلوم؛ فلا بدَّ من إثباتٍ للجريمة، وأدلةٍ للجُنْحةِ، وذلك بشهادة الشهود، أو الاعتراف دون سُكْر أو إكراه، قَالَ ابن مسعود رضي الله تعالى عنه: كَانَتْ بَيْنِي وَبَيْنَ رَجُلٍ خُصُومَةٌ فِي بِئْرٍ، فَاخْتَصَمْنَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ:"شَاهِدَاكَ أَوْ يَمِينُهُ". البخاري ومسلم.