فهرس الكتاب

الصفحة 9 من 298

للمعبِّر صفات عدة يجب أن تجتمع كلها في شخصه ، وأول هذه الصفات ، أن يكون عالمًا باللغة العربية ، لا علمًا سطحيًا بالنحو والإعراب ، بل عالم باللغويات ، انطلاقًا من أن الألفاظ القرآنية إنما وضعها في موضعها اللهُ الذي خلق اللغة وعلمها لآدم عليه السلام { وعلم آدم الأسماء كلها } [ البقرة: 31] ولهذا لا يمكن استبدال لفظة بأخرى في القرآن الكريم؛ لأن اللفظة التي اختارها الله سبحانه في هذا الموضع ، هي لفظة مخصوصة بهذا المعنى وليس هناك من لفظة أخرى ، يمكن لها أن تؤدي المعنى الذي تؤديه اللفظة المختارة . وربما هذا الجانب يغطيه علم ( فقه اللغة ) الذي يُعنى بالألفاظ أصولًا واشتقاقًا ، وإيضاح المعاني الذي تنطوي عليه الألفاظ المشتقة من أصل واحد .

فما الرابط المعنوي بين كلمتي ( جِد ) و ( جَد ) مثلًا . يضاف إلى ذلك فهم المعبّر للهجات المحلية ، والفروق بين كل لهجة وأخرى .

ومن المؤكد أن دراستي الجامعية للغة العربية كانت نعمة كبرى عليَّ ، ولم أدرك قيمتها إلا فيما بعد .

والصفة الثانية للمعبر أن يكون ذا خيال واسع ، وقدرة حقيقية على التخيل ، فالفرق الحقيقي بين الشعر والنظم هو الخيال . وإذا ما تسامى هذا الخيال فإنه يصل إلى الخيال الإبداعي الذي اتصفَّ به الشعر الجمالي في كل أمة ، وعلى مرّ العصور .

ولهذا لابدّ للمعبّر أن يكون متقنًا لعلم البلاغة ، وما فيه من تشبيه واستعارات وقدرة على التخيّل .

هذا الخيال هو الذي منحني القدرة على التخيل لذلك العالم اللامرئي الذي أتحدث عنه والذي مكنني من أن أتحدث عنه كأنه عالم مرئي أراه بعيني .

وإنني لأنصح كل من يقرأ كتابي هذا ، أن يكون متمتعًا بالحد الأدنى من القدرة على التخيل كي يتمكن من أن يتجاوز الواقع الحسي ليصل إلى فهم ذلك العالم اللامرئي .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت