هذا الخيال سنكون بأمس الحاجة إليه عندما نعالج التشبيه في قوله تعالى عن عصا موسى عليه السلام { فلما رآها تهتز كأنها جان } [ النمل: 10] .
ولعل تجربتي في كتابة الشعر وإلقائه ، كان لها فضل كبير عليّ إذ منحتني هذه القدرة على التخيل ، والتي لولاها لم أستطع أن أتجاوز الواقع الحسي من جهة ، وأن أتمكن من ربط المتباعدات في تأويل الرؤيا في نسيج محكم .
وثالث صفات المعبر ، أن يكون عفيف النفس ، مترفعًا عن بذل علمه لهدف مادي فهذا العلم الذي أكرمه الله به ، إنما مُنحه ليكون خدمة سخرها الله له لينتفع بها الآخرون ولهذا فإنه يجب ألا يقبل أي أجر مادي على عمله ملتزمًا بقول الله تعالى: { قل ما أسألكم عليه من أجر وما أنا من المتكلفين } [ ص: 86] . ثم أن يكون ورعًا في دينه ودنياه ، بعيدًا عن الغيبة والنميمة والنيل من أعراض الناس مؤتَمنًا على أسرارهم ، فلا يفشيها تباهيًا بمعرفته عن هؤلاء بما لا يعرفه الآخرون . وهو حيادي في تأويله ، يضع عواطفه جانبًا ، فلا يأمر إلا بمعروف ، ولا ينهى إلا عن منكر .
ورابع هذه الصفات أن يكون المعبّر صاحب إلهام ، فعلم المعبّر لا يغطي إلا مساحة محدودة في هذا العلم ، لكن المساحة الكبرى يغطيها الإلهام الذي يعتبر العروة الوثقى الذي يمنحها الله له ، والتي تعطيه تلك القدرة على ربط المتباعدات في آلية التعبير .
هذا الإلهام هو الذي يمكنّه من ربط المرئي باللامرئي ، والمحسوس باللامحسوس ، فيكون الإلهام ذلك الإشراق الروحي الخفي الذي يمكنه من اكتشاف ما تريد الرؤيا أن تقوله والتي لم يستطع رائيها أن يكتشفه في رؤياه .
أليس إلهامًا روحيًا عاليًا ليوسف عليه السلام عندما استطاع أن يكتشف أن سبع بقرات سمان مع سبع سنابل خضر دليل على سبع سنوات خصبة ؟
وأخيرًا فإن علم التأويل يُتّهم بأنه يكشف أسرار الناس ، ولعمري إنه لكذلك . ولكن هل هناك من حقيقة تظل خافية مهما حاول صاحبها أن يخفيها ؟