ثم يخرج الطبري نفسه من تفسير كهذا فيقول بإسناد عن السري أنه هو قال بهذا التفسير . وبإسناد عن قتادة قال: أراد أن تكون لعقبهم من بعدهم .
وبإسناد عن جريج قال: ( لأولنا ) هم الذين هم أحياء منهم يومئذ ( وآخرنا ) من بعدهم منهم . وقال آخرون معناه: نأكل منها جميعًا .
وأما القرطبي فيقول: يكون يوم نزولها ( عيدًا لأولنا ) أي لأول أمتنا وآخرها . ثم يروي بلا إسناد عن ابن عباس قوله: يأكل منها آخر الناس كما يأكل منها أولهم .
وهكذا نجد أن هذين المفسرين ، أحدهما من الشرق ، والثاني من الغرب ، لم يستطيعا أن ينتبها إلى المراد من هذه اللفظة ، ولهذا يظل تعريف علم تأويل الرؤيا ( علم الأولين والآخرين ) تعريفًا إشكاليًا . لكنني سأبين في فصل ( المصطلحات القرآنية ) بالدليل القطعي ، أن المراد بمادة ( أول ) هو عالم الجن ، وأن المراد من مادة ( آخر ) هو عالم الإنس .
ومن الملاحظ أن جميع المفسرين ، إنما اعتمدوا الطبري في تفاسيرهم ، فإما أن يحذفوا منه شيئًا ، أو يزيدوا عليه قليلًا؛ لكن تفاسيرهم لا تخرج في إطارها العام عما يقوله الطبري إلا في حدود ضيقة جدًا .
وربما كان دافعهم إلى ذلك ، عدم جرأتهم في تحمل مسؤولية تفسير القرآن الكريم إجلالًا له ، فحملّوا المسؤولية في ذلك كاملة إلى الطبري وحده باعتباره أول من تجرأ ففسّر .
لكن الطبري نفسه اعتمد على الأسانيد وتحديد الرواة لكي يبرئ نفسه من المسؤولية .
أمام فهم كهذا ، كنت ألقى عنتًا كبيرًا ـ ولا أزال ـ عندما يثار نقاش حول هذا العلم ، فمعظمهم يتقيّد بما قاله المفسرون السابقون ، معتبرين تفاسيرهم هي الصواب ، ولا صواب سواه ، سادين في وجهي باب الاجتهاد والتجديد .
فإذا حمي النقاش وأُحصروا قالوا: القرآن حمّال أوجه . ولم يسبق أن حدّد مفسر معنى واحدًا لهذه اللفظة أو تلك .