هذه الحقائق السابقة لو أردت أن أستجمعها من مصادرها ، مجريًا مقارنة بين ما ذكرته تلك المصادر ، وبين ما سأقوله في هذا الكتاب ، لاحتجت إلى مجلدات عدة ، وما إلى هذا قصدت ، ولكنني أشرت إلى ما عالجته تلك المصادر بحسب ما تقتضيه الضرورة القصوى .
وليس الهدف من هذا الكلام انتقاصًا من مكانتهم ـ رضي الله عنهم أجمعين ـ ولا الغرض منه أن أبرز نفسي على حسابهم ، ولكنني ما كنت لأمتلك زمام علم التأويل لو كان فهمي كفهمهم .
ولا بد لي من أن أستشهد بمفسرين إثنين هما الطبري والقرطبي رحمهما الله في تفسير الآية الكريمة { وكم أرسلنا من نبي في الأولين } [ الزخرف: 6] .
فالطبري يقول: { وكم أرسلنا من نبي } يا محمد في القرون الأولين الذين مضوا قبل قرنك هذا الذي بعثت فيه ، كما أرسلناك في قومك من قريش . أ-هـ
فالأولون عند الطبري هم عالم البشر الذين جاءوا قبل النبي الكريم .
أما القرطبي فيقول: كم هنا خبرية ، والمراد بها التكثير ، والمعنى ما أكثر ما أرسلنا من الأنبياء . أ-هـ
ويلاحظ أن القرطبي بدأ بالتفسير النحوي ثم اللغوي ، وأغفل هؤلاء ( الأولين ) تمامًا .
ولابد من عرض مثال آخر يبين هذا التفسير المجتزئ .
ففي آية المائدة قال الله تعالى { قال عيسى بن مريم ربنا أنزل علينا مائدة من السماء تكون لنا عيدًا: لأولنا وآخرنا } [ المائدة:114] .
فالطبري يقول: ثم اختلف أهل التأويل في تأويل قوله تعالى ( تكون لنا عيدًا لأولنا وآخرنا ) فقال بعضهم: معناه: نتخذ اليوم الذي نزلت فيه عيدًا نعظمه نحن ومن بعدنا . أ-هـ
لقد عنى بلفظة ( لأولنا ) نحن ، وبلفظة ( وآخرنا ) مَن بعدنا . على حين أنه عندما فسّر ( الأولين ) قبل قليل عنى بها الذين مضوا قبل قرنك .
فكيف استقام أن يجعل ( لأولنا ) معنى بعيدًا تمامًا عن ( الأولين ) مع أن المادة المصدرية لكليهما واحدة هي ( أول )