ولدى خروجنا طلب أن يقود هو السيارة ، فتركته ، وانطلق بنا ـ مارًا ببيتنا ـ إلى بيته . على الرغم من اعتراضي ، ورغبتي أن أستريح في البيت مع أولادي قبل أن تبدأ صلاة الجمعة . ولم أفلح في إقناعه ، ووجدنا أنفسنا أمام منزله . وفوجئت زوجته بنا ، وقامت لإعداد الغداء لنا بناء على أوامره .
وعلى وجه السرعة أعد لنا القهوة ـ وسمّها ما شئت فالمهم أنه كان شرابًا أسود اللون ساخنًا ـ فرفضتُ أن أشربها ، ويبدو أنه لم يصنعها من أجلي ، لكنه ألح على زوجتي ، فشربت كوبًا من قهوة لها طعم مرٌ غير مستساغ على الإطلاق ، على ما وصفته فيما بعد .
تركتُ زوجتي وأطفالي عندهم ، وذهبت لأداء صلاة الجمعة . هذا الرجل كان منضبطًا تمامًا لا تفلت منه كلمة تؤخذ دليلًا عليه في أي شيء، عفيفًا فلم ألحظ أبدًا أن نظر إلى زوجتي نظرة مريبة . بل كان أحيانًا ينبهها إلى انتقادٍ أخطأت فيه ، أو جملة في غير محلها . لكن ما كان ينقصه شيء من التدين سوى الصلاة .
وكنت أعتقد أنه لا يصلي كسلًا بها ، شأنه في ذلك شأن معظم الذين لا يصلون ، أما أنا فقد كنت ملتزمًا بصلاتي ، لا يفوتني منها وقت منذ صغري والحمد لله .
أيام معدودات مرت بعد ذلك اليوم ، عندما بدأت زوجتي تعاني من آلام معوية حادة ، استدعت أخذها إلى المستشفى .
وقام الأطباء بفحصها ، فلم يعثروا على أي سبب لهذه الآلام ، فأعطوها مهدئًا . ولأسبوعين متتالين بعدها ، وفي يوم محدد من كل أسبوع ، كانت تلك الآلام تعودها . فكنت آخذها إلى المستشفى ، مما أضجر الأطباء منها ، فقال لها أحدهم: إن مرضك نفسي وليس جسميًا .
بدأ هذا الرجل يعزف نغمة جديدة ، فهو ما يفتأ يردد أمام زوجته السعادة الكبرى التي أحدثتها زيارته لدمشق معنا . وكذلك الحفاوة ، وحسن الاستقبال التي غمرته بكرمنا وضيافتنا .