فهرس الكتاب

الصفحة 29 من 298

الأولى أنه كان إذا حضر إلينا سواء وحده أم مع عائلته ، فإنه لا بد له من أن يدخل الحمام في بيتنا . وكان في بعض الأحيان يطيل المكوث ، فإذا خرج أسرعت بإحضار المنشفة إليه ، فيشير إلى يديه ، فأنظر إليهما ، فأراهما جافتين لم يستعمل ماء أبدًا . لكنني إذا كنت معه في السوق ، أو في بيته ، ولساعات طويلة ، فإني لا أراه يدخل الحمام مطلقًا .

وذات مرة شكت زوجتي من أنها فقدت قطعًا داخلية لها من الحمام .

والظاهرة الثانية التي لاحظتها ، هي أنه ما من دعوة على الغداء ، أو العشاء ، سواء كانت في بيتي أو في بيته ، كان يأكل منها . وكنت إذا ما ألححت عليه قال: إن وزني يزداد ، وأنا أتبع حمية من أجل ذلك ، فإذا ألححت أكثر لم يزد ما يأكله عن لقمة واحدة .

الحديقة

بقاؤه في الصيف الذي عدنا فيه مبكرين إلى الكويت ، دفعه إلى إنجاز حديقة في عمارة أخيه .

هذه الحديقة كانت مهملة ، لا خضرة فيها ولا ماء . ولم يمض شهران على عمله فيها حتى بدأت تخضر ، زارعًا فيها كل أنواع الخضر التي تحبها زوجتي . وكان مما زرعه فيها مدادة خضراء امتدت في فترة قياسية ، فعلقها على أعلى مدخنة بجوار الحديقة . هذا الاهتمام المفاجئ بالزراعة ، كان مثار دهشتنا .

لقد عمل فيها في جو حار لا يطاق ، وأمّن لها الماء اللازم ، وقام بوضع ممرات إسمنتية في وسطها ، وقسمها إلى أقسام ، حيث زرع كل نوع في قسم خاص به .

فكنا إذا لم نجد ( كزبرة ) مثلًا ، أحضرها لنا من حديقته ، وأشياء كثيرة كهذه كان يقطفها ويجلبها معه تشع بالخضرة التي عادة ما تكون مستوردة هناك .

مع رجل كهذا في علاقة ممتدة لسبع سنوات متتالية ، أصبح أولادي ، وقد بدأوا يكبرون أصبحوا يألفونه تمامًا ويفرحون بقدومه .

ولكنه كان إذا رأى فرحتهم الغامرة به ، كانت تنفر دمعة من عينيه ويقول: والله لا أريد بكم أي أذى ، وسترون ذلك .

فإذا سألته: لماذا تقول ذلك ؟ مسح دمعته وقال: لا شيء لا شيء .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت