وهكذا بدأنا ندخل في عزلة اجتماعية شيئًا فشيئًا ، ولم يعد من أحد يزورنا أو يأتينا ، مما أفسح المجال أمام أبي أكمل ليأتينا كل يوم ، أحيانًا مع عائلته ، وأحيانًا بمفرده . وفي كل مرة كان يفتعل سببًا مقنعًا لمجيئه . فإذا شكونا له تسرب الماء في المطبخ ، حضر في اليوم التالي ، ومعه صندوقه المعدني ، وقام بإصلاح هذا التسرب على أكمل وجه . وحدّث بعد ذلك عن مهارته في إصلاح أي شيء من أعطال البيت ، ولوازمه ، من دهان ، إلى نجارة ، إلى فك البرادي وتركيبها ، إلخ .
هذا الخط العقلاني المرئي الذي كان يمارسه معنا ، كان يرافقه خط آخر لا عقلاني ولا مرئي ولست أدري اللفظة أو المصطلح الذي يمكن أن أطلقه عليه .
فقد لاحظت أنني إذا ما اقترب العيد مثلًا ، وكنت جالسًا في البيت ، وتشهيت الحلوى الشامية الشهيرة في الأعياد ، كان الباب يقرع بعد ساعة أو أكثر ، لأجده وقد حمل لي علبتين من هذا النوع من الحلوى .
صحيح أنها مصنوعة في الكويت ، لكن ذلك كان كفيلًا بازدياد محبتي له ، على هذه الثنائية التي قامت بيننا .
ولا أزال أذكر أنني ـ وكان الوقت شتاءً ـ اشتهيت العنب ، وإذا بالرجل يأتي ومعه صندوق منه ؛ ويأبى أن يأخذ ثمن ذلك .
لست أدري ماذا أسمّي هذا ؟ ولكنه في كل الأحوال ، استطاع أن ينتزع محبتي له إذ أنني اعتبرت ذلك علاقة من نوع خاص ، تجاوزت فيه علاقة الأجساد ، لتصل إلى علاقة الأرواح ، في إطار من التواصل الروحي المتسامي .
لكن ظاهرتين جديرتين بالاهتمام في شخصيته كان لا بد من أن أشير إليهما: