والخلاصة أن المادة والقوة شيء واحد يتحول كل منهما إلى الآخر ، وإن المادة لا وجود لها ، وأن ما في الكون إنما هو القوة فقط .
والذي أريده من سياق هذا الكلام عن المادة هو أن ما يتوصل إليه العلم الحديث من النظريات أنما هو شرح لظاهرة معينة ، وليس كشفًا للحقيقة ، وإلا لما كان قابلا للتغيير .
ومادام الأمر كذلك فليس لإنسان أن يتحكم ويقول: إنني عرفت الحقيقة وكشفت السر ، فلا داعي لأي قول آخر يخالف قولي أو كشفي ، لقد بنوا على قولهم: إن المادة أزلية أبدية أنه لا ضرورة للقول بوجود إله أوجدها ،إلا أن المشاهدات الجديدة ، والمعلومات المتطورة أثبتت بطلان هذا من وجهين:
الوجه الأول:
ما ذكرناه من تحطم الذرة وتحولها إلى طاقة أو قوة ، أي أنها قابلة للفناء ، وكل ما كان قابلا للفناء فليس بقديم ، ولذلك لابد له من موجد .
والوجه الثاني:
هو القانون الثاني من قوانين الديناميكا الحرارية الذي يثبت بكل قطعية خطأ القول بأزلية الكون ، وذلك لأن العلوم تثبت بكل وضوح أنه يوجد في هذا الكون انتقال حراري مستمر من الأجسام الحارة إلى الأجسام الباردة ، ولا يمكن أن يحدث العكس بقوة ذاتية ، بحيث تعود الحرارة فترتد من الأجسام الباردة إلى الأجسام الحارة .
ومعنى هذا أن الكون يتجه إلى حالة تتساوى فيها حرارة جميع الأجسام وينضب فيها معين الطاقة ، وعند ذلك تتوقف العمليات الكيماوية والطبيعية ، وتندثر الحياة .
ولما كانت الحياة لا تزال قائمة ، والعمليات الكيماوية لا تزال مستمرة ، فإننا نستنتج بكل ثقة أن هذا الكون ليس أزليا ، وإنما هو حادث ، وإلا لكان من المفروض أنه قد انقرض منذ أمد بعيد ، ومادام حادثا ، فلابد من محدث أوجده على هذه الحالة (17) .