فعندما استنبط دارون نظريته في أصل الأنواع الأرضية ، وإنها قائمة على النشوء والارتقاء ، وأن كل الحيوانات تطورت من الخلية الحية الواحدة ، حتى وصلت إلى ذروة رقيها في الإنسان ، ذهب فلاسفة الإلحاد كعادتهم ليعلنوا انه لا اله يحكم هذا الكون ويدبره ، وإنما هو الارتقاء والاصطفاء الطبيعي ، حسب هذه النظرية المزعومة .
ولكن . . بغض النظر عن صحة النظرية أو عدمه ، على أننا نؤمن ببطلانها عقلا وشرعا ، وبغض النظر عن هذا ، هل تفيد هذه النظرية هذا الذي ذهبوا إليه من إنكار الخالق وبطلان الدين ؟!
أو ما تساءل العقل الحديث من أين أتت الخلية الحية الأولى ، والعقل البشري لا يؤمن بالصدفة في احتمال وجودها لاستحالته ؟
أو ما تسائل العقل البشري لماذا يعمل الجميع باتجاه نتيجة واحدة ، من أجل الوصول إلى العقل المدرك .
وإذا فرضنا صدق التكهن بأن الخلية الأولى وجدت صدفة ، أفيجوز لعاقل أن يؤمن بأن هذه الصدفة تتكرر ملايين ، ملايين المرات وبنظام واحد ، واتجاه واحد ، ولنتيجة واحدة ؟
إن العقل ليرفض هذا رفضا قاطعا ما لم يكن هناك موجة لهذه العناصر نحو تلك النتيجة . . . ؟
ولذلك وجدنا دارون نفسه يعترف بهذا ، ويقول: إن نظريته لم تأت لتهدم الأديان والعقائد ، وإنما لتفسر بعض المظاهر ، وانه يؤمن بوجود قوة مدبرة وراء هذه العناصر تسيّرها نحو الغاية والهدف ألا وهي قوة الله ، فقد قال عند كلامه على نشوء العين وتدرجها في الكمال قال:
(( يجب التسليم بأنه توجد قوة مدبرة مظهرها الانتخاب الطبيعي ، تراقب دائما ما يحدث من العوارض على الطبقات الشفافة للعين ) ).
فكلامه واضح في أنه لا ينفي بنظريته الإلوهية ، بل يثبتها ، أو يجوز لمن جاء بعده أن يستغل هذه النظرية من أجل نفي الخالق ، وصاحبها يثبت بها وجوده ؟