فإذا جاز لدارون أن يقول: إن التشابه بين أجسام الحيوانات الراقية والبسيطة يدفعه للإيمان بأن جدها الأعلى واحد ، إلا يجوز لعالم الدين أن يقول: أن التشابه الذي رأيناه بين أجسام جميع الحيوانات البسيطة والمعقدة على تتابع الأيام والأجيال والأحقاب يدفعني للإيمان بأن خالق هذه الكائنات الحية واحد ، بدلا من أن يقول: إن جدها إلا على واحد . . ؟
إن كلا الرجلين استند إلى المشاهدة والاستنباط ، إلا أن استنباط دارون بعيد كل البعد عن العقل ، والقوانين العلمية ، لما هو معروف في نظرية من الثغرات التي لم ولم ولن تسد ، بينما نجد استنباط عالم الدين قائما على قانون العقل ، إلا وهو أن التشابه الكبير القائم بين هذه المخلوقات يدل على أن صانعها واحد . .
ونحن الآن في جدال موضوعي ، ولا نريد أن نتحكم ، فكل منا يرى من خلال وجهة نظره ،
ولكن الذي نريده ونصر عليه أن لا يتعنت فلاسفة الإلحاد ، فيمنعونا مما أباحوه لأنفسهم .
فكما أنهم رضوا بمبدأ الاستنباط يجب عليهم أن يسمحوا لنا باستعمال نفس المبدأ ، وعند ذلك نستطيع أن نقول: أن قواعد الدين حقائق علمية بمعيار العقل الحديث . كما أنها كانت كذلك بمعيار العقل القديم . .
تعصب الفكر الإلحادي:
إلا إننا مع هذا نجد فلاسفة الإلحاد يصرون على رفض الدين مع قبولهم لمعاييره الاستدلالية ، وأما لماذا يرفضون الدين على أن تفسيره لأصل الحياة أوضح من تفسير دارون . فذلك شيء نترك الكلام عنه للسير آرثر كيث إذ يقول (( إن نظرية النشوء والارتقاء غير ثابتة علميا ، ولا سبيل إلى إثباتها بالبرهان ، ونحن لا نؤمن بها إلا لان الخيار الوحيد بعد ذلك هو الإيمان بالخلق المباشر ، وهذا ما لا يمكن حتى التفكير فيه ) ) (11) .
ويوضح السير جمس جينز في كتابه عالم الأسرار هذه الحقيقة فيقول: (( إن في عقولنا تعصبا يرجح التفسير المادي للحقائق ) ) (12) .