لقد عرفنا في الفقرة الماضية أن دعوى المعارضين للدين قائمة على أساس أن الحقائق العلمية التي توصلوا إليها إنما قامت على التجربة ، أو المشاهدة ، وليس كذلك الحقائق الدينية ، فهي أمور غيبية ، لا يمكن إجراء التجارب عليها ولا مشاهدتها ، وبناء على ذلك فهي ليست حقائق علمية ، ولذلك لا يجوز الإيمان بها .
ونحن سنناقش هذا المعيار العلمي الذي فرضوه ، وهو التجربة أو الحس والمشاهدة ، لنرى من خلاله الحقائق العلمية التي يؤمن بها العقل الحديث ويعتبرها من المسلمات ، ليست خاضعة بأسرها لهذا المعيار العلمي الذي افترضه ، وأن كثيرا منها إن لم يكن أكثرها ، قائم على أساس الاستنباط والاستنتاج والاستقراء الذي رفضوا به الدين .
إن هذا المعيار العلمي الذي فرضوه ، وهو القائم على التجربة أو المشاهدة ، أولا وقبل كل شيء ، ليس على درجة واحدة في كل المشاهدات ، بل هو على درجات متباينة من الناحية العملية . فالدرجة الأولى لهذا المعيار هو أن يكون الأمر الذي نريد مشاهدته أو تجربته في متناول يدنا مباشرة يمكننا أن نراه ونجربه من جميع وجوهه على السواء ،وذلك كمن يقول: إن الماء يحتوي على كائنات حية ، فإذا ما طلبناه بالبرهان على قوله ، أمكنه أن يأتي بقطرة من الماء ويضعها تحت المجهر ، ليؤكد لنا بالمشاهدة المباشرة وجود عدد كبير من هذه الكائنات في هذه القطرة من الماء .
وفي هذه الحالة نتمكن من رؤية الأمر الذي نريد إثباته ، نتمكن من رؤيته مباشرة ومن جميع الجهات ، وفي جميع الظروف والأحوال .
وأما الدرجة الثانية لهذا المعيار هي أن لا تكون الدعوى المراد إثباتها، أن لا تكون قابلة للمشاهدة كليا ، من جميع الوجوه ، بل يمكن مشاهدة بعض أجزائها ووجوهها .