على أن الفرقة واقعة، والتحذير منها لم يكن عبثًا، إنما لأنها ستقع ابتلاءً ولا تقع إلا والناس على بصيرة، يعرفون الحق وهو الكتاب والسنة ومنهج السلف الصالح، والباحثون عن الحق يميزون بين الحق والباطل، فمن أهتدى، أهتدى على بصيرة، ومن ضل بعد ذلك ضل على علم، نسأل الله العافية من الضلالة.
وبعد: فإن هذه الأدلة القاطعة على صحة حدوث الافتراق في الأمة، ابتلاءً وفتنة وأنه من سنن الله التي لا تتبدل، وأن الافتراق كله مذموم، وعلى المسلم أن يعرفه، ويعرف أهله، فيجنب مواطن الزلل )) [1] .
وطالما أنَّ الاختلاف والافتراق واقع لا محالة لإخبار النبي (- صلى الله عليه وسلم -) بذلك، وشهود الواقع بهذا!! فهل يعني هذا أنه يجوز لنا أن نركن إلى هذا الواقع المرير ويختار كل واحد منا حزبًا يتحزب به و ينتمي إليه، و طائفة يتقوقع فيها؟!! بحجة أنَّ النبي (- صلى الله عليه وسلم -) قد أخبر بذلك!!
الجواب: لا , فليس هذا هو مراد النبي (- صلى الله عليه وسلم -) من أخباره بحديث الافتراق، ولا يدل عليه لا من قريب ولا من بعيد، وإنما مراده (- صلى الله عليه وسلم -) تحذير أمته من إتباع سبيل الهالكين من الأمم السابقة وسلوك مسالك الإختلاف والافتراق الوعرة.
بدليل التهديد والوعيد الشديدين لمن يتبع طريقًا غير طريق النبي (- صلى الله عليه وسلم -) وطريق أصحابه (رضوان الله عليهم) ، قال تعالى {وَمَن يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءتْ مَصِيرًا} [النساء: 115] .
فإذا كان الأمر على هذا النحو من الأهمية والخطورة فما علينا إذن إلا أن نبحث عن الفرقة الناجية من بين هذا الكم الهائل من الفرق الهالكة، كالذي أيقن أنَّ العمر
(1) الافتراق مفهومه أسبابه وسبل الوقاية منه: 12، للشيخ ناصر بن عبد الكريم العقل