الصفحة 38 من 67

ثالثا: بعد أن نجح الاستعمار بإدخال فكرته ونشر مبدئه على تلك الشعوب، وبدأ تململها للتخلص منه وإبعاد هيمنته، كان لا بد له من إحكام ضربته، فجعلها تحمل مع فكرة التحرر والتحرير فكرة الحرية بما لها من أبعاد، وبنفس المعنى الذي يحمله هو لمعنى هذه العبارة، وبنفس المدلول، وهو إعطاء الفرد حق ممارسته أرادته في كل شيء، حتى أصبح جمهرة مثقفينا وكثير من الناس يرون أن هذه الفكرة مقدسة فهي أساس كرامة الإنسان، رمز عزته واعتباره، ولم يستطيعوا الفصل بينها وبين فكرة التحرر والتحرير قياسا على إبعاد الهيمنة عن الدولة والشعب، إبعاد الهيمنة والإكراه عن الفرد.

وبهذا جعل الناس تحاربه بالسلاح الذي حدده هو. حملهم فكرته ليحاربوه بها، حملهم وجهة نظره ليقدروا الأمور بحسبها، حملهم مبدأه ليكونوا جزءا من عالمه، وكان له ذلك، إذ أصبح الناس بمجموعهم رأسماليين يؤمنون بالديمقراطية عقيدة ونظام حكم، وبالحرية أساسا لوضع النظم والقوانين إلا من رحم ربي.

ولهذا فإن مشكلتنا والبحث الذي نحن بصدده ليس المعنى المقابل للاسترقاق، لأنه لا وجود له في واقع حياتنا العادية في هذا العصر، وليس رفع هيمنته العسكرية والسياسية والاقتصادية والثقافية والفكرية، فقد رفع هيمنته العسكرية أو أخفاها عن أعين الناس، وترك لأهل البلاد ، ينفذوا فكرته وثقافته ووجهة نظره ونظمه السياسية والاقتصادية دون أن يلحظ له وجود.

بل المسألة المبحوث عنها، والمشكلة التي تقض مضجع المخلصين من الناس، والتي يجب أن يعمل على إزالتها من الوجود لفظا ومعنى، هو المعنى الثالث، أي جعل الحرية فكرة أساسية في المجتمع تبنى عليها الأفكار وتنبثق عنها النظم، والذي منه أيضا منح الفرد حرياته العامة، حرية العقيدة والرأس والملك والذاتية، ليتصرف الفرد في حياته بموجبها مراعيا القوانين والنظم القائمة فقط.

غاية الغرب من طرح فكرة الديمقراطية والاشتراكية

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت