إن علماء الاجتماع يدركون معنى الدعوة للحرية وإبعاد وخطورة هذا القول،ولذلك حاولوا أن يلبسوا الحرية ثوبا فضفاضا، ويحملوا هذه الكلمة معاني لا تنطبق عليها حقيقة، ففرضوا على الفرد قيودا بدأت من قولهم تنتهي حرية الفرد بابتداء حرية الآخرين، ولم تنته بعد، ففي كل يوم تضاف لمجموعة القيود قيود جديدة،ولما كان لا بد لكل قيد من ضابط يقوم على تنفيذه، ولما كان لا بد لكل حق من حماية كان لا بد من حماية هذه الحريات فحسب تعبيرهم والصحيح أنه كان لا بد من حماية هذه القيود والنظم، ومن هنا كان التزامهم بنظرية العقد الاجتماعي بنشوء الأمم والمجتمعات، فقرروا أن يتنازل كل فرد عن جزء من حريته لتوضح هذه الأجزاء بيد فئة قوية تستطيع تنفيذ ما اتفقوا
عليه، فاشترطت عليهم الطاعة، فوجدت الدولة على هذا الأساس، ففرض به قيد جديد على الفرد. فصار عليه الانقياد والطاقة إلى مجموعة القوانين والنظم الموضوعة لتسيير علاقات الأفراد ومع ذلك ما زالوا يسمون هذه القيود حرية.
إلا أنهم يحاولون أن يصوروا أن هذا الأمر هو حرية، وذلك لأن الناس بمجموعهم أو بواسطة ممثليهم هم الذين يضعون مجموعة هذه النظم والقوانين،وبالتالي فإنهم يسيرون بإرادتهم وحسب رغبتهم ولا سلطان لأحد عليهم. وأن مجموعة هذه النظم والقوانين لا تسمى قيودا لأنهم هم واضعوها.
والحقيقة هي خلاف ذلك تماما، فالالتزام والانضباط والسير بحسب القانون والنظام هو قيد،والنظام سواء كان عن رضى واختيار أم كان جرا وإكراها، فكلها قيود،وسواء وضع هذه القيود الفرد نفسه، أو أناب عنه أحدا، أو اقتبست من نظم وقوانين شعب آخر، أم فرضت من جهة أخرى فكلها قيود ولا يصرفها عن هذا المعنى كونها قوانين وضعها الفرد نفسه أو مجموعة الأفراد فهي انقياد ولا جدال وهذا مناف للحرية ويبين أنها لا تنطبق على واقع.