بقيت مسألة واحدة، في هذا الموضوع، وهي قولهم أن السيادة للشعب وهذا يقتضي معرفة المعنى من هذا القول إن معنى السيادة هو ممارسة الإرادة، أي أن التصرف والسلوك يجب أن يكون تبعا للرغبة والهوى دون ضغط أو إكراه، سواء بالنسبة للفرد أو بالنسبة لمجموع الأفراد، حيث أن الشعب بنظرهم هو مجموعة من الأفراد، وما ينطبق على الفرد ينطبق على المجتمع، فالفرد الذي يملك سيادته هو الذي يمار إرادته فيسير سلوكه، وينظم أمور ويقضي مصالحه، ويعالج مشاكله حسب هواه ورغبته دون ضغط أو إكراه أو تنفيذ لرغبات غيره أو طاعة لأوامر أية جهة كانت. هذا معنى ممارسة الإرادة، وهذا هو معنى السيادة، أما الفرد الذي يملك إرادته، ولكنه لا يستطيع أن يمارسها بسبب الرق أي العبودية أو بسبب بيعها أو تأجيرها لغيره، أو خضوعه لأوامر غيره بالضغط والإكراه فإنه لا يقال أنه سيد نفسه، وأنه صاحب سيادة أو أنه يتصرف على هواه، أو أنه حر في تصرفاته فالحرية في التصرفات والسلوك إنما تعني عدم الخضوع فيها إلا لرغبه هو، وتبعا لهواه. وما ينطبق على الفرد في هذا الأمر على الشعب فالشعب الذي يملك سيادته، هو الشعب الذي يمارس إرادته، وأما الشعب الذي يملك إرادته ولكن لا يمارسها بل يمارسها غيره، فهو شعب مستعد، وممارسة الإرادة إنما تظهر في تسيير هذا الشعب لعلاقاته العامة داخليا وخارجيا حسب مصلحته ووفقا لإرادته، فإن كان هذا الشعب هو الذي يختار حاكمه دون ضغط أو إكراه، وهو الذي يضع دستوره وكافة تشريعاته حسب رغبته وهواه، ودون ضغط أو إكراه، وهو الذي ينظم علاقاته بغيره، أي سياسته الخارجية حسب مصلحته ودون ضغط أو إكراه فمثل هذا الشعب يعتبر حرا يملك سيادته، وإلا فإنه مستعبد لمن أجبره على تنفيذ إرادته فحقق السيادة يشترط فيه ممارسة الإرادة.