الصفحة 16 من 67

لإرضاء الأطراف المتصارعة وكسب رضاها، إن مثل هذا القول، ومثل هذه الفكرة يأبى العقل السليم جعلها قاعدة فكرية صحيحة، من حيث أنها لم تبن على العقل، بل إنها بنيت على حل وسط أي أنها لم تبن على أساس عقلي، لأن الأساس العقلي لا بد أن يكون العقل قد قرر حقيقة، والموضوع هنا أولا هو تقرير حقيقة الوجود، أهو أزلي؟ أم أنه مخلوق لخالق؟ فلا يجوز الوقوف فيه موقف اللامبالاة أو الشك، لأن اللامبالاة أو الشك مناف للحقيقة وحين قالت بفصل الدين عن الحياة أقرت ضمنا بوجود دين، ولكنها لم تقرره كحقيقة، ولجأت إلى قطع علاقة الوجود بما قبله دون إقامة أي برهان عقلي على ذلك، في الوقت الذي لم تنف فيه علاقة الإنسان بالآخرة من حيث اعترافها بوجود دين، وهذا فإن هذه الفكرة الأساسية التي تقوم عليها الديمقراطية فكرة خاطئة من حيث أنها لم تبن على العقل، ومن حيث أنها توقفت عن البحث في منتصف الطريق، ومن حيث أنها ارتضت أن تبنى على الحل الوسط، وهو حل يتنافى مع العقل، حيث أن العقل يقضي بوجود أو عدم ، يقضي بحق أو باطل، يقضي بصح أو خطأ ليس غير من هنا كانت فكرة قائمة على أساس من الوهم وجاءت بحلول مؤقتة منافية لما يقتضيه العقل السويّ.

أما من حيث تحديد مصدر معالجاتها لشؤون الحياة، وقولها أن الإنسان هو مصدر التشريع، وأن مجموعة الأفراد هم الذين يضعون معالجات مشاكلهم، وهم الذين يشرّعون أحكامهم. فإن هذا القول كذلك لا يتفق مع ما يحكم به العقل، فاستحالة اجتماع الناس جميعا لتقرير حكم واحد أمر يجزم به العقل، فكيف بكافة القوانين والتشريعات، ولذلك فقد تهربوا أيضا في هذه المسألة وقالوا بالنزول على رأي الأكثرية مع ما في هذا القول من تضليل وضلال.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت