وبهذا تكون الديمقراطية قد أعطت فكرة شاملة عن الوجود وعن الحياة وعن وجهة النظر في الحياة وعن معنى السعادة فكانت بذلك عقيدة لمبدأ وقاعدة فكرية تبنى عليها الأفكار، وقيادة فكرية تنبثق عنها النظم والقوانين بجعل الإنسان مصدرها فانقاد بها الكثير من الناس، وبنوا عليها كياناتهم السياسية ومجتمعاتهم وحملوها إلى غيرهم كذلك.
(1) الجاثية الآية 24 .
محاكمة الفكرة
إن المحاكمة تعني تقرير حقيقة ما، بناء على مجموعة من المقاييس والقواعد التي يرتضيها المتخاصمان يقضي القاضي بموجبها، بعد الإطلاع على وجهتي نظر المتخاصمين ومحاولة معرفة صدق أقوال كل منهما، كما أنها تعني وضع الخط المستقيم أمام الخط الأعوج لمعرفة مدى انحراف المتهم عن جادة الصواب، ولكل قضية مختلف عليها مقاييس وقواعد وقوانين تبين حقيقتها من حيث مطابقتها للواقع أو بعدها عنه فمحاكمة إنسان في قضية ما لا بد لها من مقاييس معينة خاصة بهذا النوع من القضايا المتعلقة بالإنسان، من مثل مواد الدستور وأحكام القوانين والقواعد التي يرجع إليها القضاة، حتى تقر تلك القضية أو ترد، أما محاكمة نص من النصوص فإنما تجري محاكمته من حيث المتن، أو من حيث السند ولكل من الحالتين قواعدها ومقاييس، ومحاكمة فكرة ما يقضي وجود قواعد ومقاييس مسلم بها يرجع إليها حين محاكمة تلك الفكرة.
ولذلك حين نريد أن نحاكم فكرة ما-أي ما نحن بصدده الآن- لنحكم عليها صحيحة أم خاطئة، فلا بد من الرجوع إلى مجموعة المقاييس والقواعد والقوانين مسلما بها عند الناس، أو عند المتخاصمين على الأقل، حتى تكون نتيجة الحكم مقبولة ومرضيا عنها، ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا من النتيجة ويسلموا تسليما، وإلا تشعبت الأفكار، واختلفت الآراء والأحكام، واختلف الناس فيما بينهم باختلاف هذه القواعد والمقاييس والقوانين التي يتحاكمون إليها.