فهرس الكتاب

الصفحة 9 من 20

يدخل في هذا النوع من فاجأتهم كوارث مدمرة، ونزلت بهم جوائح اجتاحت مالهم، بسبب السيول، أو الحريق، أو نحو ذلك، فقد قال مجاهد في تفسير قوله تعالى (وفي الغارمين) :"الغارم من احترق بيته، أو يصيبه السيل فيذهب متاعه، ويدان على عياله"وفي رواية أخرى عنه"الذي يذهب السيل والحريق بماله، ويدان على عياله"وقد روى مسلم في صحيحه عن أبي سعيد الخدري قال:"أصيب رجل في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم في ثمار ابتاعها، فكثر دينه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"تصدقوا عليه"فتصدق الناس عليه".

وقد ذكر حديث قبيصة - السابق ذكره: من أصابته جائحة ضمن الثلاثة الذين يجوز لهم دفع الزكاة، وروى الإمام أحمد بسنده إلى النبي صلى الله عليه وسلم ما يدل على أن الدين المشروع يشمل هذه الكوارث كلها، حيث قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"يدعو الله لصاحب الدين يوم القيامة حتى يوقف بين يديه، فيقول: يا ابن آدم فيما أخذت هذا الدين، وفيم ضيعت حقوق الناس؟ فيقول: يارب. إنك تعلم أني أخذت فلم آكل ولم أشرب، ولم أضيع، ولكن على يدي إما حرق، وإما سرق، وإما وضيعة، فيقول الله: صدق عبدي أنا أحق من قضى عنك اليوم .. (67) ."

وكذلك ذكر أبو عبيد ما يدل على دخول هؤلاء في"الغارمين" (68) .

والزكاة بهذا كما يقول أستاذنا القرضاوي تقوم بنوع من التأمين الاجتماعي ضد الكوارث، ومفاجآت الحياة، سبق كل ما عرفه العالم بعد من أنواع التأمين، لكنه أسمى وأكمل وأشمل من التأمين الذي عرفه الغرب في العصر الحديث بمراحل ومراحل، فالتأمين على الطريقة الغربية لا يعوض إلا من اشترك بالفعل في دفع أقساط محددة لشركة التأمين، وعند إعطاء التعويض نلاحظ كمية المبلغ الذي أمن به .. أما التأمين الإسلامي فلا يقوم على اشتراط دفع أقساط سابقة، ولا يعطي المصاب بالجائحة إلا على أساس حاجته، وبمقدار ما يعوضه خسارته ويفرج ضائقته (69) .

وتتفرع من هذا النوع عدة فروع: الفرع الأول: إذا كان الغارم لمصلحة نفسه له مال بحيث يفي بديونه وزيادة تكفيه مع خلاف في تحديدها فإن جمهور الفقهاء على أنه لا يعطي له من سهم الغارمين، وذهب بعض العلماء منهم الشافعي في قوله القديم، وفي كتاب الصدقات - أنه يعطي.

وكذلك الأمر فيما لو لم يكن له مال بقدر الدين لكنه غني بالقدرة على الاكتساب حيث اختلفوا فيه الاختلاف السابق.

وحتى تتضح أبعاد هذا الفرع بكل تفصيلاته عند المذاهب المعتمدة نذكر آراءهم بشيء من التفصيل:

فقد اشترط الحنفية في دفع الزكاة إلى الغارم أن لا يملك نصابا فاضلا عن دينه، أما إذا كان يملك ما يساوي دينه، وزيادة ما يصل إلى حد النصاب من أي مال كان فإنه لا تعطى له، لأن الفقر شرط في الأصناف كلها إلا العامل وابن السبيل الذي لا مال في وطنه، وإذا كان ماله يفي لبعض ديونه، فإنه يعطي له بقدر لا يصل معه إلى أن يكون له نصاب (70) .

وعلل الجصاص ذلك بقول:"وفي هذا - أي في قوله تعالى: (وفي الغارمين) - دليل على أنه إذا لم يملك فضلا عن دينه مائتي درهم فإنه فقير تحل له الصدقة لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"أمرت أن آخذ الصدقة من أغنيائكم، وأردها على فقرائكم" (71) فحصل لنا بمجموع الآية والخبر أن الغارم فقير، إذا كانت الصدقة لا تعطى إلا الفقراء، وهذا يدل أيضا على أنه إذا كان عليه دين يحيط بماله وله كثير أنه لا زكاة عليه، إذا كان فقيرا يجوز له اخذ الصدقة. ثم رد على الاستدلال بعموم الآية فقال:"والآية خاصة في بعض الغارمين دون بعض، وذلك، لأنه لو كان له ألف

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت