فهرس الكتاب

الصفحة 10 من 20

درهم وعليه دين مائة درهم لم تحل له الزكاة، ولم يجز في معطيه إياها وإن كان غارما، فثبت أن المراد الغريم الذي لا يفضل له عما في يده بعد قضاء دينه مائتي درهم، أو ما يساويها فيجعل المقدار المستحق بالدين مما في يده كأنه في غير ملكه، وما فضل عنه فهو فيه بمنزلة من لا دين عليه"."

غير أن الجصاص بين بأنه لا اعتداد بالقوة على الكسب في هذا المجال حيث يعطي للغارم حتى ولو كان قادرا على الكسب فقال:"وفي جعله الصدقة للغارمين دليل أيضا على أن الغارم إذا كان قويا مكتسبا، فإن الصدقة تحل له، إذ لم تفرق بين القادر على الكسب والعاجز عنه" (72) .

واشترط المالكية أن لا يكون ما يبقى بعد الدين كافيا، ولذلك تباع داره ويسكن بالكراء إلا إذا خيف عليه من الضياع، وكذلك لو كان عليه أربعون دينارا، وبيده عشرون دينارا فلا يعطى من الزكاة شيئا إلا بعد إعطاء العشرين التي بيده للغرماء فيبقى عليه عشرون فيعطى حينئذ، ويكون من الغارمين، وكذلك لو كان له دار تساوي مائة دينار، وعليه مائة وتكفي دار بخمسين فلا يعطى حتى تباع، ويدفع الزائد في دينه، ثم يعطى له بقدر ما يفي دينه، قال الخرشي:"إن المدين لا يعطى شيئا من الزكاة لوفاء ما عليه إلا بعد دفع ما معه من العين للغرماء" (73) .

وقد نبه الدردير على أنه لا يشترط إعطاء ما في يده بالفعل، بل المدار على إعطائه منها ما بقي عليه على تقدير إعطاء ما بيده. وقال العلامة ابن الجلاب البصري"الغارمون: الذين عليهم من الديون بإزاء ما في أيديهم من المال، فيجوز أن يدفع إليهم شيء من الصدقة وإن كانت لهم أموال، لأن أموالهم ديون عليهم، فإن لم تكن لهم أموال فهم فقراء وغارمون يستحقون الأخذ بالوصفين جميعا" (74) .

وكذلك الشافعية على القول الأصح اشترطوا أن يكون به حاجة إلى قضائه منها، فلو وجد ما يقضيه من نقد، أو عرض فالأصح المنع، قال النووي:"أن يكون محتاجا إلى ما يقضي به الدين، فلو كان غنيا قادرا بنقد، أو عرض على ما يقضي به فقولان مشهودان .. وأصحهما عند الأصحاب، وهو نصه في الأم أيضا أنه لا يعطى" (75) ثم قال:"فعلى هذا لو وجد ما يقضي به بعض الدين أعطي البقية فقط"ثم أوضح معنى كونه محتاجا فقال:"وأما معنى الحاجة المذكورة فعبارة الأكثرين تقتضي كونه فقيرا لا يملك شيئا، وربما صرحوا به وفي بعض شروح المفتاح أنه لا يعتبر المسكن، والملبس، والفرش والآنية وكذا الخادم، والمركوب إن اقتضاهما حاله، بل يقضي دينه وإن ملكها، وقال بعض المتأخرين لا يعتبر الفقر والمسكنة هنا، بل لو ملك قدر كفايته، وكان لو قضي دينه لنقص ماله عن كفايته ترك معه ما يكفيه، وأعطي ما يقضي به الباقي، وهذا أقرب" (76) .

واختلف فقهاء الشافعية في المدين الذي لا يملك شيئا ولكن يقدر على قضائه بالاكتساب حيث ذهب بعضهم إلى أنه لا يعطي كالفقير، وذهب آخرون إلى أنه يعطي، وقد رجح الرافعي والنووي هذا الوجه الخير حيث قالا:"وأصحها: لأنه لا يقدر على قضائه إلا بعد زمن"ثم ردا على قياسه على الفقير بأنه قياس مع الفارق، لأن الفقير يحصل حاجته في الحال في حين أن المدين القادر على الكسب يكون على خطر حصوله على المطلوب (77) .

وإنما الخلاف في الدين الذي لم يحل بعد حيث ذهب جماعة من الفقهاء - منهم الشافعية - إلى أنه لا يعطى، لأنه غير محتاج إليه عند الدفع، حيث لم يحن وقت أدائه، وهو حينئذ ليس مضطرا لأدائه، وقد يأتي له مال وفير نتيجة ارث، أو أي عمل آخر فيصبح قادرا على أدائه من ماله.

وذهب رأي ثان اختاره وجه الشافعية إلى أنه يعطي، لأنه غارم فيدخل في"الغارمين".

وذهب رأي ثالث عليه وجه للشافعية إلى أنه إن كان الأجل يحل تلك السنة أعطي، وإلا فلا يعطى من صدقات تلك السنة (78) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت