فهرس الكتاب

الصفحة 11 من 20

والذي يظهر رجحانه هو القول الأول، وذلك لأن النبي صلى الله عليه وسلم قيد الغرم بكونه مفزعا، والدين المؤجل الذي لم يحل أجله، أو لم يقرب حدا لا يحتاج صاحبه إلى الصدقات، وقد يسر الله له، وأخذ الصدقات له ضرورة، ولذلك ينبغي أن تقدر بقدرها، هذا إذا كانت أموال الزكاة قليلة، ويوجد محتاجون أما إذا كانت كثيرة واستفاضت فانه يعطي لهؤلاء أيضا، وذلك تطبيقا للقاعد الفقهية القاضية بالبدء بالضرورات ثم الحاجيات.

الفرع الرابع: المدين بدين الله تعالى:

لا خلاف بين الفقهاء إذا كان دينه دين العباد فإنه يعطى إذا توافرت الشروط المطلوبة أما إذا كان الدين دين الله تعالى كالزكاة، والكفارات، فإن المالكية (79) ، ذهبوا إلى أنه لا تدفع الزكاة لأداء ديون الله تعالى، وإنما يعطى في دين العباد، أو على حد تعبيرهم"في دين يحبس فيه"قال الخرشي:"ويشترط في هذا المدين الذي يأخذ من الزكاة أن يكون دينه مما يحبس فيه كحقوق الآدميين فإن كان الدين مما لا يحبس كالزكاة والكفارات فإنه لا يعطي من الزكاة شيئا لوفاء ذلك".

وقال العلامة العدوي في شرح:"يحبس فيه .."أي شأنه أن يحبس فيه فدخل دين الولد على والده، فيدفع الزكاة للوالد يقضي بها دين ابنه .." (80) ."

وأجاز الحنابلة اعطاء الزكاة لمدين بدين الله مثل الزكاة والكفارات، وقالوا:"فدين الله كدين الآدمي بل هو أحق" (81) .

النوع الثاني: الغارمون لمصلحة عامة، أو كما قاله الفقهاء لإصلاح ذات البين، فهؤلاء من أهل الخير والشهامة المروءة يتدخلون لإصلاح ما يقع بين قبيلتين، أو قريتين من تشاجر في دماء وأموال، فيتوسطون بالصلح بينهما، وفي سبيل ذلك يلتزمون في ذمتهم مالا عوضا عما بينهم، وقد يستدينون لهذا الغرض فعلا (82) ، يقول النووي في بيان هذا النوع:"ومعناه أن يستدين مالا ويصرفه في إصلاح ذات البين، بأن يخاف فتنة بين قبيلتين، أو شخصين، فيستدين مالا، ويصرفه في تسكين تلك الفتنة .." (83) .

وقد ألحق بعض الشافعية بهذا النوع من استدان لعمارة المسجد، أو بناء قنطرة، وقرى الضيف، أو فك الأسير (84) ، ويمكن أن يلحق بهؤلاء من استدان لمشروعات اجتماعية خيرية نافعة كمؤسسة لأيتام، أو مستشفى لعلاج الفقراء، أو ما شابه من أعمال البر، والخير مادامت الضرورة، أو الحاجة تقتضي ذلك.

فهؤلاء الغارمون لمصلحة عامة يعطون الزكاة مع غناهم عند الشافعية (85) ، والحنابلة (86) ، والظاهرية (87) ، ومن معهم (88) .

وقد فصل الشافعية في هذا النوع بعض الشيء وفرقوا بين الاستدانة، أو غيره فقالوا: إذا استدان مالا وصرفه في تسكين الفتنة ينظر: فإن كان ذلك في دم تنازعت فيه القبيلتان، أو غيرهما، ولم يظهر القاتل، أو نحو ذلك، وبقي الدين في ذمته فهذا يصرف إليه من سهم الغارمين سواء كان غنيا أو فقيرا ولا فرق بين غناه بالنقد أو بالعقار وغيرهما، قال النووي"هذا هو المذهب به قطع العراقيون، وجماعة من خراسانيين، وقال أكثر الخرسانيين إن كان فقيرا دفع إليه وكذا إن كان غنيا بلا خلاف، فإن كان غنيا بنقد ففيه عندهم وجهان، الصحيح يعطي، والثاني لا يعطي إلا مع الفقر، ولو كان غنيا بالعروض غير العقار فهو كالغني بالعقار على المذهب، وقيل: كالنقد ذكره السرخسي في الأماني".

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت