فهرس الكتاب

الصفحة 12 من 20

وأما إذا كانت الاستدانة لإصلاح ذات البين في غير دم، بأن تحمل قيمة مال متلف، فوجهان مشهوران لدى الشافعية أصحهما عند أكثرهم أنه يعطي مع الغنى، لأنه غارم لإصلاح ذات البين، فأشبه الدم. الثاني لا يعطى إلا مع الفقر، لأنه غرم في غير قتل، فأشبه الغارم لنفسه (89) .

وقد أجاز الحنابلة إعطاء الزكاة لهؤلاء الغارمين لإصلاح ذات البين، حتى ولو كان ذلك لإصلاح ذات البين بين طائفتين من أهل الذمة، وفي ذلك مدى السماحة التي يتمتع بها فقهنا الإسلامي، كما صرحوا بأنه لا يشترط حلول الدين حيث يعطون وإن لم تحل ديونهم (90) .

وذهب الحنفية (91) ، والمالكية (92) إلى أنهم لا يعطون مع غناهم، وإنما حالهم حال الغارمين لمصلحة أنفسهم، وتطبق بحقهم جميع الشروط من كون الدين مستقرا في ذمتهم، وكونهم لا يقدرون على أدائها، أو لا يبقى بعد أدائها من أموالهم إلا أقل من النصاب كما سبق.

وهذا يعني عدم الاعتراف بهذا النوع، ولذلك لم تذكر كتبهم هذا النوع من الغارمين وإنما ذكرت: المدينين مطلقا الذين وقعت عليهم ديون ولا يقدرون على أدائها - على التفصيل السابق - بل إنها ردت على منهج الرأي الأول (93) .

الأدلة والمناقشة والترجيح:

استدل الشافعية والحنابلة والظاهرية بما يأتي:

أولا: الكتاب، حيث ذكر الله تعالى هذا الصنف ضمن قوله (والغارمين) وهذه اللفظة تشمل كل غارم سواء كان لمصلحة نفسه، أو لمصلحة غيره، وجاءت السنة المشرفة لتبين لنا أن من استدان لإصلاح ذات البين أو تحمل حمالة يدخل في سهم الغارمين كما سبق.

ثانيا: السنة المشرفة، حيث وردت أحاديث صحيحة أن من تحمل حمالة لإصلاح ذات البين يجوز دفع الزكاة له حتى ولو كان غنيا، منها حديث قبيصة الصحيح، حيث قال:"تحملت حمالة، فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم أسأله فيها، فقال:"أقم حتى تأتينا الصدقة فنأمر لك بها"قال: ثم قال:"يا قبيصة إن المسألة لا تحل إلا لأحد ثلاثة: رجل تحمل حمالة فحلت له المسالة حتى يصيبها، ثم يمسك." (94) ."

والحديث نص في أن من تحمل حمالة يعطى من الزكاة بقدرها دون النظر إلى غناه، حيث قال صلى الله عليه وسلم"فنأمر لك بها"أي بأداء حمالتك، وقال:"حتى يصيبها"أي الحمالة، وهي ما يتحمله الإنسان، ويلتزم به عن غيره من دية، أو غرامة، قال السيوطي:"هي بالفتح: ما يتحمله الإنسان عن غيره من دية، أو غرامة، مثل أن يقع حرب بين فريقين يسفك فيه الدماء فيدخل بينهم رجل يتحمل ديات القتل ليصلح ذات البين" (95) . وقال السندي في حاشيته على النسائي:"قوله:"تحملت حمالة"بفتح الحاء: ما يتحمله الانسانعن غيره من دية، أو غرامة، أي تكفلت مالا لاصلاح ذات البين، قال الخطابي: هي أن يقع بين القوم التشاجر في الدماء والأموال، ويخاف من ذلك الفتن العظيمة فيتوسط الرجل فيما بينهم، يسعى في ذات البين، ويضمن لهم ما يترضاهم بذلك حتى يسكن الفتنة" (96) .

ومنها حديث أبي سعيد الخدري الصحيح الذي هو نص في الموضوع حيث يدل على جواز الزكاة إلى هؤلاء الغارمين وإن كانوا أغنياء، ونصه:"قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"لا تحل الصدقة لغني إلا لخمسة: لغاز في سبيل الله، والعامل عليها، والغارم .." (97) ."

واستدل الحنفية والمالكية بما يأتي:

أولا: أن المراد بالغارمين في الآية هم المدينون الذين لا تفي أموالهم بديونهم، أو لا يبقى بعد وفائها إلا شيء قليل

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت