على -التفصيل السابق- قال الجصاص: والآية خاصة في بعض الغارمين دون بعض أي هم المدينون الذين يصبحون فقراء بعد ديونهم، ثم قال:"معلوم أن الحمالة وسائر الديون سواء" (98) .
ثانيا: قول النبي صلى الله عليه وسلم:"لا تحل الصدقة لغني، ولا لذي مرة سوى"، في بعض رواياتها".. ولا لذي مرة قوي"وفي بعضها"ولا لصحيح سوي، ولا لعامل قوي"وفي بعضها"ولا حظ فيهما لغني، ولا لقوي مكتسب" (99) .
فالحديث نص في أن الصدقة لا تحل إلا لمدين يصبح بعد أداء دينه فقيرا.
المناقشة:
وقد ناقش الحنفية ومن معهم أدلة الشافعية ومن معهم، حيث قال الجصاص:"ومعلوم أن الحمالة وسائر الديون سواء، لأن الحمالة هي الكفالة، والحميل هو الكفيل، فإذا كان النبي صلى الله عليه وسلم أجاز له المسألة لأجل ما عليه من دين الكفالة وقد علم مساواة دين الكفالة لسائر الديون فلا فرق بين شيء منها، فينبغي أن تكون إباحة المسألة لأجل الحمالة محمولة على أنه لم قدر على أدائها، وكان الغرم الذي لزمه بإزاء ما في يده من ماله كما نقول في سائر الديون" (100) .
ويمكن الجواب عن هذه المناقشة بسهولة، حيث لا يسلم القول بالمساواة بين دين لمصلحة نفسه، ودين لمصلحة عامة، لوجود اختلاف جوهري بينهما، ولو سلم ذلك لغة، فإن الشرع قد جاء وفرق بينهما، فحديث قبيصة الصحيح ظاهر في أن المسألة تحل لغني إذا كان قد تحمل حمالة، حيث يعطى له بقدرها، كما أن الحديث الثاني نص في أن الغني يعطى له مع غناه إذا كان غارما، فلا ينبغي القول بالمساواة بينهما مع ثبوت تفرقة بينهما في السنة الصحيحة.
ويمكن أن نناقش أدلة الحنفية بما يأتي:
أولا: لا نسلم تخصيص الغارمين بالمدينين الذين يصبحون بعد أداء ديونهم فقراء لأحاديث السابقة.
ثانيا: أن هذا الحديث عام وقد خصص بالأحاديث الصحيحة الثابتة التي تدل على أن الزكاة تدفع إلى الشخص مع غناه في خمس أحوال منها حالة الغرم كما سبق. وقضية التخصيص واردة وشائعة، حتى أصبح القول بأنه"ما من عام إلا وقد خص"شائعا منتشرا.
ومن جهة أخرى أن الحنفية ومن معهم أباحوا إعطاء الزكاة للعامل عليها حتى ولو كان فقيرا، فبأي شيء خصصوا الحديث العام نخصص به.
وأيضا أن القول بأن الفقر هو المدار يؤدي إلى إلغاء التعدد في المصارف، فلما كان الله تعالى ذكر ثمانية أصناف لابد أن نبقي كل صنف على استقلاله.
الترجيح:
وبعد هذه المناقشة التي تبين فيها ضعف أدلة الرأي الثاني وعدم قدرتها أمام المناقشة، وقوة أدلة الرأي الأول لا يسعنا إلا أن نرجح رأي الشافعية والحنابلة والظاهرية، بالإضافة إلى أن القول به يتمشى وروح الإسلام، ويحقق المعاني النبيلة التي يريد من خلالها الإسلام الإبقاء على روح الشهامة والنخوة الإسلامية، والتشجيع لإصلاح ذات البين، حيث أمر الله تعالى بذلك فقال:"فاتقوا الله وأصلحوا ذات بينكم" (101) ، فإذا كان الإسلام يعطي لقضاء ديون بسب مصالح فردية من نفقة ونحوها فمن طريق أولى يكون الإنفاق من الزكاة لهؤلاء المدينين لإصلاح ذات البين، وإطفاء نار