فهرس الكتاب

الصفحة 7 من 20

الأول يملكونها تمليكا بالوصف المقتضي للتمليك، ولذلك عبر عنه بلام الملك، والثاني: مصالح عامة اجتماعية ودولية لا يقصد بها أشخاص يملكونها، ولذلك عبر عنه بـ"في"، فأداء ديون هؤلاء الذين تحملوا الضمان والغرامة والديات عن الناس تحقيق لمصلحة تتعلق بإصلاح ذات البين (55) .

وإلى قريب من هذا أشار شيخ الإسلام ابن تيمية (56) .

الغارمون في عرف الفقهاء:

يذكر الفقهاء أحكام"الغارمين"عند كلامهم عن مصارف الزكاة، وعند ذكرهم أحكام الدين من حيث الإفلاس، ونحوه ولكن المتتبع لأساليبهم يلاحظ أنهم يكثرون إطلاق"الغارمين"في باب الزكاة، ولفظي الدائن والمدين في باب الإستقراض.

وقد اتفق الفقهاء جميعا على أن المراد بالغارمين الذين تدفع لهم الزكاة: المدينون (57) ، ولكنهم اختلفوا في بعض التفصيلات، ولذلك نسرد آراءهم من خلال مصادرهم المعتمدة لنعرف المتفق عليه، والمختلف فيه.

قال الكاساني:"قيل: الغارم الذي عليه الدين أكثر من المال الذي في يده، أو مثله أو اقل منه لكن وراءه ليس بنصاب (58) "هكذا عرفه لكنه أشار إلى ضعف هذا التعريف بقوله:"قيل: .."فالغارم الذي يجوز دفع الزكاة إليه هو المدين الذي لا يملك نصابا فاضلا عن دينه، فعلى هذا فهو فقير، لأن الفقير عندهم هو من لا يملك نصابا، لكن الدفع إليه أولى من الدفع إلى الفقير غير المدين، وذلك لأن القاعدة العامة عند الحنفية هي أن الفقر شرط أساسي في جميع الأصناف إلا العامل، لأنه يأخذها في مقابل عمله، وإلا ابن السبيل حيث لا يعتد بغناه في وطنه (59) .

وأدخل بعض الحنفية في الغارمين: من له دين على الناس لا يقدر على أخذه، وليس عنده نصاب، ورد عليهم ابن عابدين بأن الغارم وإن كان لغة يطلق على من له دين لكن المراد به هنا هو المدين فقط وأما الذي ذكره فهو فقير ويدخل في سهم الفقراء (60) .

وقال الدردير:"ومصرفها .. مدين، يعطي منها ما يوفي به دينه إن كان حرا مسلما غير هاشمي" (61) وقد اشترط المالكية أن يكون المدين مما يحبس فيه إذا لم يؤده، ولذلك لا يعطي لمدين بدين الكفارات، والزكاة، وكذلك لابد أن لا يكون الدين قد أنفقه في فساد كشرب الخمر، ونحوهما، وكذلك لا يعطي لمدين استدان حتى يأخذ الصدقة، كأن يكون عنده ما يكفيه لكنه توسع في الإنفاق بالدين لأجل أنه يأخذ منها، فلا يعطي، لأنه قصد مذموم للقاعدة القائلة"من استعجل الشيء قبل أوانه عوقب بحر مائه"إلا إذا تاب في الحالتين فإنه يعطي على أحسن القولين عندهم، ثم إن المدين إنما يعطي له عندهم إذا أعطى في دينه ما بيده من عين، وفضلت عليه بقية، ومن فضل غيرها -أي غير العين- كمن له دار تساوي مائة دينار، وعليه مائة، وتكفيه دار بخمسين فلا تعطي حتى تباع، ويدفع الزائد في دينه، فلو كان الفاضل يفي بدينه فإنه يعطي بوصف الفقر لا الغرم (62) .

والشافعية فسروا الغارمين بمن غرم لإصلاح ذات البين، وبمن غرم لمصلحة نفسه، قال الشيرازي:"وهم ضرب غرم لإصلاح ذات البين، وضرب غرم لمصلحة نفسه، فأما الأول فضرب بأن: أحدهما: من تحمل دية مقتول، فيعطي مع الفقر والغنى .. والثاني: من حمل مالا في غير قتل لتسكين فتنة، ففيه وجهان: أحدهما: يعطي مع الغنى، لأنه غرم لإصلاح ذات البين فأشبه إذا غرم دية مقتول، والثاني لا يعطي مع الغنى، لأنه مال حمله في غير قتل فأشبه إذا ضمن ضمنا في بيع."

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت