فهرس الكتاب

الصفحة 6 من 20

زرعه وماله، كان قد استدان ليؤدي ديونه من غلته، أو ثمرته. والخلاصة أن لفظ"الغارمين"لا يشمل جميع المدينين بالإجماع كما قال المفسرين، فلا يدخل فيهم الأغنياء الذين استدانوا لمصالح أنفسهم ولهم أموال كثيرة تفيض عليها دون أن تؤثر في غناهم.

ومن هنا أفدنا من"الغارمين"فائدتين: أولاهما: كون المدين مفزعا كما عبرت عنه الأحاديث وحينئذ عدم شموله، لكل دين. والثانية: ملاحظة كون ذلك غرامة والتزاما لما لم يلزم صاحبه أصلا، وإنما التزم به لإصلاح ذات البين، أو تحمل عن آخر لسبب مشروع، أو كونه من الفظاعة والقوة بحيث لا يقدر على حمله وحده / وإنما يحتاج إلى معونة وسداد من قبل أخوانه.

الحكمة في ورود"والرقاب"بعد"في"دون اللام:

إذا عمقنا النظر في أسلوب القرآن الكريم في توزيع الصدقات على مصارفها الثمانية لوجدناه قسم هذه المصارف إلى قسمين: قسم أدخل عليه لام الجر الدال على التمليك أو الاختصاص، وقسم أدخل عليه"في"الدال على الطرفين، حيث يقول:"إنما الصدقات للفقراء والمساكين والعاملين عليها والمؤلفة قلوبهم وفي الرقاب والغارمين وفي سبيل الله وابن السبيل فريضة من الله والله عليم حكيم" (50) . فقد رأينا أن الأصناف الأربعة الأول وردت بعد اللام والأربعة الأخيرة بعد"في"، ولاشك أنه من المستبعد جدا من أسلوب القرآن أن يكون هذا التغير في حرفي الجر بدون حكمة وفائدة.

وقد تصدى بعض المفسرين لبيان هذه الحكمة منهم الزمخشري، والرازي، والنيسابوري وغيرهم، يقول الزمخشري: " لم عدل عن اللام إلى"في"من الأربعة الأخيرة؟ قلت: للإيذان بأنهم أرسخ في استحقاق التصدق عليهم ممن سبق ذكره، لأن"في"للوعاء، فنبه على أنهم أحقاء بأن توضع فيهم الصدقات، ويجعلوا مظنة لها، ومصبا، وذلك لما في فك الرقاب من الكتابة، أو الرق أو الأسر، وفي الغارمين من الغرم: من التخليص والإنقاذ .. " (51) .

وأضاف العلامة أحمد بن المنير نكتة أخرى وصفها بأنها أدق وأعمق حيث قال".. وثم سر آخر هو أظهر وأقرب، وذلك أن الأصناف الأربعة الأوائل ملاك لما عساه يدفع إليهم، وإنما يأخذونه ملكا، فكان دخول اللام لائقا بهم، وأما الأربعة الأواخر فلا يملكون ما يصرف نحوهم، بل ولا يصرف إليهم، ولكن في مصالح تتعلق بهم، فالمال الذي يصرف في الرقاب إنما يتناوله السادة المكاتبون - بكسر التاء - والبائعون، فليس نصيبهم مصروفا إلى أيديهم حتى يعبر عن ذلك باللام المشعرة بتملكهم لما يصرف نحوهم، وإنما هم محال لهذا الصرف، والمصلحة المتعلقة به، وكذلك الغارمون .." (52) حيث يصرف لدائنيهم، ولا يصرف لهم، والحاصل أن الأصناف الأربعة الأولى يصرف المال إليهم حتى يتصرفوا فيه كيفما شاؤا، وأما الأربعة الأخيرة فلا يصرف إليهم بل يصرف إلى جهات الحاجات المعتبرة من الصفات التي لأجلها استحقوا الزكاة. ويقول ابن قدامة:"وأربعة أصناف يأخذون أخذا مستقرا ولا يراعي حالهم بعد الدفع، وهم الفقراء .. وأربعة منهم وهم الغارمون وفي الرقاب وفي سبيل الله وابن السبيل فإنهم يأخذون أخذا مراعى، فإن صرفوه في الجهة التي استحقوا الأخذ لأجلها، وإلا استرجع منهم، والفرق بين هذه الأصناف، والتي قبلها: أن هؤلاء أخذوا لمعنى لم يحصل بأخذهم للزكاة، والأولون حصل المقصود وهو غنى الفقراء والمساكين .. وإن قضى هؤلاء أي الغارمون، ومن معهم حاجتهم بها وفضل معهم فضل ردوا الفضل إلا الغازي .." (53) .

وقد أشار الإمام الطبري إلى ذلك حيث قسم المصارف إلى قسمين، أحدهما: سد خلة المسلمين، وثانيهما: معونة الإسلام، وتقويته (54) ، وتبعه في ذلك صاحب المنار فقسمها إلى قسمين أيضا هما: الأشخاص والمصالح، فالصنف

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت