حتى يصيبها، ثم يمسك، ورجل أصابته جائحة اجتاحت ماله فحلت له المسألة حتى يصيب قواما من عيش ورجل أصابته فاقة حتى يقول ثلاثة من ذوي الحجا من قومه: لقد أصابت فلانا فاقة فحلت له المسألة حتى يصيب قوما من عيش"فما سواهن من المسألة يا قبيصة سحتا يأكلها صاحبها سحتا" (43) .
والمراد بالحمالة - كما قال السندي وغيره هو ما يتحمله الإنسان عن غيره من دية أو غرامة - أي يتكفل مالا ويلتزم به في ذمته بالاستدانة ليدفعه في إصلاح ذات البين (44) وقال الصنعاني في تفسير الحمالة:"وذلك أن يتحمل الإنسان عن غيره دينا، أو دية أو يصالح بمال بين طائفتين، فإنها تحل له المسألة، وظاهره وإن كان غنيا فإنه لا يلزمه تسليمه من ماله، وهذا هو أحد الخمسة الذين يحل لهم أخذ الصدقة وإن كانوا أغنياء" (45) .
إذا كان حديث قبيصة الصحيح قد فسر الغارمين الذين يجوز إعطاء الزكاة إليهم بمن تحملوا حمالات، فإن حديثا آخر صحيحا أيضا فسرهم بمن كثرت ديونه بحيث استغرقت جميع أمواله وزيادة، حيث روى مسلم في صحيحه والترمذي، وابن ماجة بسندهم عن أبي سعيد الخدري قال:"أصيب رجل في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم في ثمار ابتاعها فكثر دينه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"تصدقوا عليه"فتصدق الناس عليه فلم يبلغ ذلك وفاء دينه .." (46) .
فهذان الحديثان يفسران بمجموعهما الغارمين الذين يدفع إليهم الزكاة، ولكنهما يدلان كذلك على أنهم ليسوا مجرد مدينين، وإنما مدينون إما نتيجة تحمل حمالة، أو مصيبة، أو جائحة، ويمكن أن يلحق بهما دين مادام مفزعا كما قال الرسول صلى الله عليه وسلم:"إن المسألة لا تحل لغني، ولا لذي مرة سوى إلا لذي فقر مدقع، أو غرم مفظع .."قال المباركفوريي"المفظع .. هو الشديد الشنيع الذي جاوز الحد .. قال الطيبي: .. ويمكن أن يكون المراد به ما لزمه من الغرامة بنحو دية وكفارة" (47) .
وبالإضافة إلى ذلك فإن الرسول صلى الله عليه وسلم قد أطلق لفظ"غارم"على الكفيل والضامن فقال:"الزعيم الغارم (48) كما ورد في الحديث إطلاقه على الغرامة مطلقا، وعلى غرامة الدية - كما سبق."
وهذا البيان الواضح من السنة دفعنا إلى إثارة السؤال التالي:
ما الحكمة في استعمال"الغارين"دون"المدينين، أو المستقرضين"؟
ما الحكمة في استعمال"الغارمين"دون المدينين؟
إذا ألقينا نظرة على أساليب القرآن لوجدنا أن هناك حكمة في استعمال كلمة مكان أخرى، فلا يستعمل كلمة مكان أخرى إلا لحكمة. ومن هنا فاستعمال كلمة"الغارمين"مكان"المدينين"هي في نظري تعود إلى معنى"الغارمين"لا نجدها في"المدينين"وذلك لأن أصل اشتقاق"غرم"يعني الثقل، والشر الدائم، والعذاب اللازم، أو التزام ما لم يلزم على عكس الدين الذي ينبئ عن الخضوع، ثم شاع استعماله لغة فيما له، كما أنه عام في إطلاق الفقهاء في كل ما يجب في ذمة الإنسان من الالتزامات بأي سبب كان، حيث يشمل حقوق الله تعالى، وحقوق العباد، وأطلقوه على ما يثبت في ذمة الإنسان بسبب عقد، أو استهلاك أو استقراض، أو تحمل التزام أو نحو ذلك (49) .
فعلى ضوء ذلك فاختيار"الغارمين"دون لفظ"المدينين"الدال على العموم والشمول، دون لفظ"المستقرضين"الدال على خصوصية القرض إنما يدل والله أعلم على أن الغرم هنا ليس مطلق الدين، وإنما هو دين خاص يأتي نتيجة التزام ما يلزم - كما في قضايا إصلاح ذات البين، وقضايا تحمل الكفالات - أو نتيجة غرامة توقع عليه لأي سبب من الأسباب سواء كان بسبب فعل خطأ، أو شبه خطأ أو نحو ذلك، أو نتيجة ديون مفزعة بسبب جائحة أهلكت