فهرس الكتاب

الصفحة 4 من 20

الله لهم فيها سهما، وإذا ذكر هؤلاء في الدين، أنه من غير سرف، ولا إفساد، لأنه إذا كان مبذرا مفسدا لم يؤمن إذا قضى دينه أن يستدين مثله فيصرفه في الفساد، فكرهوا قضاء دين مثله لئلا يجعله ذريعة إلى السرف والفساد، وروي كذلك عن مجاهد أنه قال: الغارم من ذهب السيل بماله، أو أصابه حريق فأذهب ماله، أو رجل له عيال لا يجد ما ينفق عليهم فيستدين (32) .

وقد رد الجصاص على هذا الرأي بقوله:"أما من ذهب ماله وليس عليه دين فلا يسمى غريما، لأن الغرم هو اللزوم والمطالبة، فمن لزمه الدين يسمى غريما، ومن له الدين أيضا يسمى غريما، لأن له اللزوم والمطالبة، فأما من ذهب ماله فليس بغريم، وإنما يسمى فقيرا أو مسكينا" (33) .

وقال ابن العربي المالكي:"وهم الذين ركبهم الدين، ولا وفاء عندهم به، ولا خلاف فيه اللهم إلا من أدان في سفاهة، فإنه لا يعطي منها .." (34) .

وفسره الإمام الشافعي بقوله:"والغارمون: صنفان، صنف دانوا في مصلحتهم، أو معروف وغير معصية، ثم عجزوا عن أداء ذلك في العرض والنقد، فيعطون في غرمهم لعجزهم. وصنف دانوا في حمالات، وصلاح ذات بين، ومعروف، ولهم عروض تحمل حمالاتهم، أو عامتها، وإن بيعت أضر ذلك بهم وإن لم يفتقروا، فيعطي هؤلاء حتى يقضوا غرمهم" (35) .

وأوضح ذلك الماوردي في تفسيره فقال:"وهم الذين عليهم الدين يلزمهم غرمه، فإن أدانوا في مصالح أنفسهم لم يعطوا إلا مع الفقر، وإن أدانوا في المصالح العامة أعطوا مع الغني والفقر (36) ،مثله عند الرازي (37) ."

هذا وقد أسهب الطبري في ذلك فلا مانع من أن ننقل منه ما يوضح لنا المقصود حيث قال:"وأما الغارمون فالذين استدانوا في غير معصية الله ثم لم يجدوا قضاء في عين ولا عر ض، وبالذي قلنا قال أهل التأويل"ثم روى بسنده إلى مجاهد قال:"الغارمون من احترق بيته، أو يصيبه السيل فيذهب متاعه ويدان على عياله فهذا من الغارمين"ثم روى عن أبي جعفر أنه قال في تفسير الغارمين المستدين في غير سرف ينبغي للإمام أن يقضي عنهم من بيت المال، وروى عن الزهري: أنهم أصحاب الدين، وعن قتادة: أنهم قوم غرقتهم الديون في غير إملاق، ولا تبذير، ولا فساد، وعن ابن زيد، الغارم الذي يدخل عليه الغرم" (38) ."

وقال النيسابوري:"الصنف السادس: الغارمون، قال الزجاج: اصل الغرم لزوم ما يستحق، وسمي العشق غراما لكونه أمرا شاقا لازما.، فالغارمون المدينون، والدين إن حصل بسبب معصية لم يدخل في الآية، لأن المعصية لا تستوجب الإعانة، وإن حصل لا بالمعصية فهو مقصود الآية، سواء حصل بسبب نفقات ضرورية، أو لإصلاح ذات البين وإن كان متمولا، أو للضمان إن أعسر هو والأصيل، وكل داخل في الآية .." (39) .

ومثل هذا ذكره القرطبي (40) ، وغيره 3من المفسرين (41) .

بيان السنة للغارمين:

ولما كانت السنة النبوية المطهرة بيانا للقرآن الكريم ينبغي أن نستقصي بقدر الإمكان الأحاديث الواردة بهذا الخصوص، وتطبيقات الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم في هذا المضمار، حتى تكون أحكامنا على بصيرة من الأمر.

فقد وردت أحاديث صحيحة وحسنة أكدت على أن الصدقة لا تحل إلا لعدة أصناف منها"الغارم"كما أنها لا تحل لغني، ولا لقوي مكتسب (42) ، كما روى مسلم، وأبو داود، وابن خزيمة، وابن حبان بسندهم عن قبيصة بن مخارق الهلالي قال: تحملت حمالة، فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم أسأله فيها، فقال:"أقم حتى تأتينا الصدقة. فنأمر لك بها"قال: ثم قال:"إن المسألة لا تحل إلا لأحد ثلاثة: رجل تحمل حمالة فحلت له المسألة"

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت