سميت شدة المحنة غراما .. الثالث ثقلا، قاله قطرب .. الرابع: أنهم أغرموا بالنعيم في الدنيا عذاب النار، قال محمد بن كعب: إن الله سأل الكفار عن ثمن النعيم فلم يأتوا به، فأغرمهم، فأدخلهم جهنم" (16) ."
وبلفظ"مغرم"في قوله تعل"أم تسألهم أجرا فهم من مغرم مثقلون" (17) أي دين، وتكاليف، أي قد أثقلتهم التكاليف، فكأنهم مدينون بشكل قضت ديونهم على كل ما لديهم من أعيان (18) . وهذه الآية نفسها تكررت في سورة القلم الآية 46، كما تكرر لفظ"مغرما"في سورة التوبة، وهو قوله تعالى:"ومن الأعراب من يتخذ ما ينفق مغرما ويتربص بكم الدوائر .."قال الرازي"والمغرم مصدر كالغرامة، والمعنى: أن من الأعراب من يعتقد أن الذي ينفقه في سبيل الله غرمة وخسران، وإنما يعتقد ذلك، لأنه لا ينفق إلا تقية من المسلمين ورياء، لا لوجه الله .." (19) وقال الماوردي:"فيه وجهان: أحدهما ما يدفع من الصدقات، والثاني: ما ينفق في الجهاد مع الرسول صلى الله عليه وسلم: مغرما، المغرم التزام ما لا يلزم .." (20) ، وورد بالجمع في قوله تعالى (إنا لمغرمون، بل نحن محرومون) (21) . قال الماوردي:"فيه ثلاثة أوجه: أحدهما: لمعذبون، قاله قتادة .. الثاني: مولع بنا، قاله عكرمة .. الثالث: محرومون من الحظ، قاله مجاهد .." (22) .
ورود"غرم ومعانيه في السنة:"
تكرر لفظ"غرم"ومشتقاته كثيرا في السنة، ولا تخرج معانيه عن معانيه في اللغة، منها ما رواه البخاري في قضاء رسول الله بغرة على من قتل جنين امرأة، فقال الرجل: كيف أغرم يا رسول الله من لا شرب ولا أكل .. (23) أي كيف أدفع غرامته؟ وكذلك في حديث ابن عباس عند أحمد:"يغرمون الدية بجيفته" (24) أي يدفعون الدية بدل أخذ جيفته، فسمح لهم النبي صلى الله عليه وسلم بدون ذلك، ومنها قوله صلى الله عليه وسلم:"الزعيم غارم" (25) قال في النهاية:"الغارم الذي يلتزم ما ضمنه، وتكفل به، ويؤديه، والغرم أداء شيء لازم .." (26) ومنها قوله صلى الله عليه وسلم""اللهم إني أعوذ بك من المأثم والمغرم" (27) أي من الدين، أو من كل ما يؤدي إلى غرامة."
ومنها ما روي عنه صلى الله عليه وسلم:"إذا كان المغنم دولا، والأمانة مغنما، والزكاة مغرما .." (28) أي يشق عليهم أداؤها بحيث يعدون إخراجها غرامة، وليس عبادة (29) . وغير ذلك.
أقوال المفسرين في:"والغارمين":
قال الجصاص الحنفي:"لم يختلفوا أنهم المدينون، وفي هذا دليل على أنه إذا لم يملك فضلا عن دينه مائتي درهم فإنه فقير تحل له الصدقة، لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"أمرت أن آخذ الصدقة من أغنيائكم وأردها إلى فقرائكم"فحصل لنا بمجموع الآية والخبر أن الغارم فقير، إذ كانت الصدقة لا تعطى إلا للفقراء .. والآية خاصة في بعض الغارمين دون بعض، وذلك، لأنه لو كان له ألف درهم وعليه دين مائة درهم لم تحل له الزكاة. فثبت أن المراد الغريم الذي لا يفضل له عما في يده بعد قضاء دينه مقدار مائتي درهم، أو ما يساويها، فيجعل المقدار المستحق بالدين مما في يده كأنه في غير ملكه، وما فضل عنه فهو فيه بمنزلة من لا دين عليه، وفي جعله الصدقة للغارمين دليل أيضا على أن الغارم إذا كان قويا مكتسبا فإن الصدقة تحل له، إذ لم تفرق بين القادر على الكسب والعاجز عنه" (30) .
فعلى ضوء ذلك فالمعيار عنده في دفع الصدقات إلى الغارمين هو الفقر، وهو في نظرته هذه ينطلق من المذهب الحنفي الذي جعل الفقر هو الأساس حتى بالنسبة للمجاهدين (31) .
وقد روي عن سعيد بن المسيب أنه قال (في الغارمين) : ناس عليهم دين من غير فساد ولا إتلاف، ولا تبذير فجعل