رضي الله تعالى عنه"أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع المضطر، وكان هشيم [1] رحمه الله تعالى يقول: سيأتي على الناس زمان عضوض؛ يعض الموسر على ما في يديه، ولم يؤمر بذلك، قال الله تعالى {ولا تنسوا الفضل بينكم} ويبايع المضطرون"وقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن بيع المضطر، وبيع الغرر، وبيع الثمرة قبل أن تدرك [2] .
فمن هنا كرهه من كره، واختار الشيخ ابن تيمية وتلميذه ابن القيم رحمهما الله تعالى تحريمه، [3] فقد قال في إعلام الموقعين [4] : كان شيخنا رحمه الله يمنع من مسألة التورق، وروجع فيها مرارا وأنا حاضر فلم يرخص فيها، وقال: المعنى الذي لأجله حرم الربا موجود فيها بعينه مع زيادة الكلفة بشراء السلعة وبيعها والخسارة فيها، فالشريعة لا تحرم الضرر الأدنى وتبيح ما هو أعلى منه. اهـ
هذا ما يذكر عن السلف في مسألة التورق الذي استند إليه من استند في القول بالكراهة.
غير أن من أبى ذلك لم ير في هذا القول مقنعا لما رأوه، عملا بالأصل في الأشياء- لاسيما المعاملات- وهو الإباحة، الدال عليها قوله سبحانه: {وأحل الله البيع} فإن الألف واللام فيه للجنس ليشمل جميع البيعات التي تدخل في مفهوم التجارة عن تراض، والتي قال الله تعالى فيها: {إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم} ولا يخرج عن هذا العموم إلا ما ورد الدليل الصحيح الصريح بمنعه، والتورق ليس من ذلك في شيئ؛ لأن حقيقته: شراء سلعة دينا لتقليبها في التجارة ربحا أو خسارة، وإن كان الغالب فيها هو الخسارة عما اشترى، لكن هذه الخسارة معوضة بما حصل له فيها من تيسير أمره وقضاء حاجته، والتي حالت بينه وبين الربا المحرم، أو بقاءه في الحاجة الملحة، وقد ورد في الحديث ما يشهد لمثل هذا النوع من التعامل وهو التحايل للإباحة، وذلك ما أخرجه البخاري ومسلم من حديث أبي سعيد الخدري، و أبي هريرة رضي الله عنهما [5] : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم استعمل رجلا على خيبر، فجاءه بتمر جنيب - أي جيد- فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"أكل تمر خيبر هكذا؟"، قال: لا والله يا رسول الله، إنا لنأخذ الصاع من هذا بالصاعين، والصاعين بالثلاثة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"لا تفعل، بع الجمع بالدراهم، ثم ابتع بالدراهم جنيبا"فدل على أن الحيلة التي يتوصل بها إلى الحلال مشروعة، وقد دون البخاري في صحيحه كتابا خاصا أسماه: كتاب الحيل. وذكر فيه أنواعا من الحيل المباحة والمحرمة.
وأخرج هذا الحديث في مواضع كثيرة من صحيحه، منها في كتاب الحيل، وفي ذلك يقول الحافظ ابن حجر في الفتح مستدلا به على أنه من الحيل المشروعة:
"الحيل جمع حيلة، وهي ما يتوصل به إلى مقصود بطريق خفي، وهي عند العلماء على أقسام بحسب الحامل عليها؛ فإن توصل بها بطريق مباح إلى إبطال حق أو إثبات باطل فهي حرام، أو إلى إثبات حق أو دفع باطل فهي واجبة أو مستحبة، وإن توصل بها بطريق مباح إلى سلامة من وقوع في مكروه فهي مستحبة أو مباحة، أو إلى ترك مندوب فهي مكروهة ... إلى أن قال: وفي الحيل مخارج من المضايق، ومنه مشروعية"
(1) هشيم بالتصغير بن بشير بوزن عظيم بن القاسم بن دينار السلمي أبو معاوية بن أبي خازم بمعجمتين الواسطي ثقة ثبت كثير التدليس والإرسال الخفي من السابعة مات سنة ثلاث وثمانين وقد قارب الثمانين روى له الجماعة من أصحاب الصحاح والسنن. تقريب التهذيب - 1 / ص 574
(2) أخرجه أبو داود في البيوع باب في بيع المضطر برقم 2952
(3) انظر الاختيارات الفقهية له ص113
(4) إعلام الموقعين 3/ 170
(5) صحيح البخاري في مواضع منها - كتاب البيوع باب إذا أراد بيع تمر بتمر خير منه - حديث 2111؛ ومسلم في موضعين -من كتاب المساقاة منها باب بيع الطعام مثلا بمثل - حديث: 3068، / 12 / ص 326