وقد روى واثلة بن الأسقع، رضي الله تعالى عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال:"تراءيت للنبي صلى الله عليه وسلم بمسجد الخيف، فقال لي أصحابي: إليك يا واثلة، أي تنح عن وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم:"دعوه، فإنما جاء ليسأل"قال: فدنوت، فقلت: بأبي أنت وأمي يا رسول الله، لتفتنا عن أمر نأخذه عنك من بعدك، قال:"فليفتك نفسك"قال: فقلت: فكيف لي بذلك؟ قال:"دع ما يريبك إلى ما لا يريبك، وإن أفتاك المفتون"قلت: فكيف لي بذلك؟ قال:"ضع يدك على فؤادك، فإن القلب يسكن للحلال، ولا يسكن للحرام، وإن ورع المسلم يدع الصغير مخافة أن يقع في الكبير" [1] "
2 -أن الصورة المفترضة لهذا العقد هي أن النقد الذي يأخذه العميل هو ثمن السلعة التي بيعت له، وهذا الأمر يكذبه الواقع؛ فإن عقود التورق المنظم تجري على سلعٍ موصوفة أي غير معينة، فهي ليست مملوكة لا للبنك الذي باعها على العميل، ولا للعميل الذي وكل البنك في بيعها، بل ولا للمورد الذي يبيع على البنك، فهو يعقد صفقات مع البنك بكمياتٍ أكبر مما عنده حقيقة من السلع.
3 -ومما يؤكد عدم ارتباط مبلغ التمويل بالسلعة وثمنها، أن البنك يلتزم بإيداع المبلغ المتفق عليه في حساب العميل خلال فترة وجيزة، مع أن من المعلوم أن بيع أي سلعة مهما كانت لا يخلو من المخاطرة إما لتقلب الأسعار، أو لعدم وفاء المشتري، أو لظهور عيبٍ في السلعة، أو التأخر في البيع، أو لغير ذلك، ومع ذلك يتم إيداع المبلغ المتفق عليه دون تأخيرٍ أو نقصان
4 -أن هذا العقد يؤدي إلى العينة الثلاثية، وهي محرمة، ففي السلع المحلية كالسيارات مثلًا يشتري البنك السيارة من المعرض، ثم يبيعها على العميل بالأجل، ثم يوكل العميلُ المعرضَ ببيعها، ثم يبيعها المعرض على البنك، ثم يبيعها البنك على عميلٍ آخر، وهكذا تدور أوراق السيارة مئات المرات بين البنك والعميل والمعرض، والسيارة في مكانها لم تتحرك، مما يؤكد أن المعاملة ما هي إلا مبادلة مالٍ بمالٍ، وأن السلعة إنما أدخلت حيلة، وهذا التدوير وإن لم يكن مشروطًا في العقد أو متفقًا عليه إلا أنه معروف، والقاعدة عند أهل العلم:"أن المعروف عرفًا كالمشروط شرطًا".
وقد نص العلماء على أن المتعاقدين إن كانا يقصدان إظهار ما يجوز ليتوصلا به إلى ما لا يجوز، فينفسخ العقد إذا كثر القصد إليه، كبيع بسلف جر نفعًًا، فإن بعدت التهمة بعض البعد، وأمكن القصد به كدفع الأكثر مما فيه ضمان، وأخذ الأقل إلى أجل، فقولان مشهوران في مذهب مالك: وقالوا إن الأصل أن ينظر إلى ما خرج من اليد وإلى ما خرج إليها، فإن جاء العامل به صح، وإلا فلا، ولا تعتبر أقوالهما، بل أفعالهما فقط. [2]
ولا يختلف الأمر في السلع الدولية عما هو عليه في السلع المحلية، فإن من المعتاد أن البنك يشتري المعدن من أحد الموردين ثم يبيعه على العميل، ثم يتوكل عن العميل في بيعه فيبيعه على المورد الأول نفسه أو على موردٍ آخر يكون متواطئًا مع المورد الأول على نقل ملكية المعدن إليه -أي إلى الأول-. فيتم تداول شهادة الحيازة الخاصة بالمعدن بين هذه الأطراف عشرات المرات، والمعدن في مكانه لم يتحرك
1 -أن كلًا من البنك والعميل يبيع السلعة قبل قبضها، وقد قال صلى الله عليه وسلم لحكيم بن حزام رضي الله عنه"ابن أخي إذا ابتعت شيئًا فلا تبعه حتى تقبضه" [3] .
(1) أخرجه لحافظ ابن حجر العسقلاني في المطالب العالية - كتاب البيوع باب بيع المضطر برقم: 1467
(2) الفروق للقرافي، بهوامشه، 3/ 440.
(3) أخرجه ابن حبان في البيوع باب البيع المنهي عنه - برقم: 5060 ورقم ... 24210