2 -وقبض صورة من شهادة الحيازة للمعدن، أو صورةٍ من البطاقة الجمركية للسيارة، لا يكفي في تحقق القبض الشرعي؛ لأن الصورة لا تعد وثيقة بالتملك، بل المشاهد أن المعرض الذي يتعامل مع البنوك في التورق المنظم يبيع السيارة الواحدة في وقتٍ واحدٍ لعدة بنوك، ويسلم كلًا منهم صورة البطاقة الجمركية؛ لأنه يدرك تمامًا أن لا أحد من العملاء يطلب تسلم السيارة، وكذلك الحال في التورق الدولي، فالمورد يبيع المعدن نفسه في وقتٍ واحدٍ على بنوكٍ مختلفة ويسلم كلًا منهم صورة من شهادة الحيازة للمعدن الذي عنده.
4 -وتوكيل البنك أو المورد الأول بالقبض لا يصح أيضًا؛ لأن كلًا منهما -أي البنك والمورد- بائع، فالسلعة مقبوضة له أصلًا، فلو صح توكيله لم يكن لاشتراط القبض أي معنى. ولأجل هذه التجاوزات فإن اشتراط قبض السلع قبل بيعها وإن كان مختلفًا فيه إلا أنه في مثل هذه العقود التي يقصد منها التمويل لا ينبغي أن يكون من المسائل الخلافية، وذلك لتجنب الصورية في العقد، وللبعد عن مشابهة التمويل الربوي.
5 -أن العميل يوكل البنك في بيع السلعة قبل أن يتملكها، وقد ورد النهي عن ذلك كما في حديث حكيم بن حزام رضي الله عنه السابق، وفي رواية: يا رسول الله، يأتيني الرجل فيريد مني البيع ليس عندي أفأبتاعه له من السوق؟ فقال:"لا تبع ما ليس عندك" [1]
6 -أن العميل لم يتحمل مخاطرة السلعة أو ضمانها، فهي لم تدخل في ضمانه، وقد قال صلى الله عليه وسلم:"لا يحل سلف وبيع، ولا شرطان في بيع، ولا ربح ما لم يضمن، ولا بيع ما ليس عندك" [2]
7 -وبما سبق يتبين أن العقد ملفقٌ من جملة من رخص المذاهب التي قد يسوغ الخلاف في واحدة منها إذا انفردت، أما مع اجتماعها فأحرى بالعقد أن يكون صوريًا لا حقيقيًا، وذلك من التلفيق المذموم الذي حذر منه العلماء، لأنه يعني تتبع الأقوال الضعيفة، والرخص المتفرقة ليتكون منها جميعا قول واحد لا يقول به أحدهم، كما قال بعض المجان:
أحل العراقي النبيذ وشربه ... وقال حرامان المدامة والسكر
وقال الحجازي الشرابان واحد ... فحل لنا من بين قولهما الخمر
ذلك أن الحكم على العقد يجب أن يكون عليه بمجموعه لا بأفراده، فعقد يكون الشراء فيه بالأجل، والبيع بالنقد، والسلعة غير معينة ولا مقبوضة، والبائع هو الممول والوكيل بالبيع والوكيل بالقبض والوكيل بتسلم الثمن، والمبلغ مضمون، والزيادة بسبب الأجل بقدر سعر الفائدة في السوق. لا يفترق كثيرا عن التمويل الربوي؟ وقد سئل ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: عَنْ رَجُل بَاعَ مِنْ رَجُل حَرِيرَة بِمِائَةٍ، ثُمَّ اِشْتَرَاهَا بِخَمْسِينَ؟ فَقَالَ: دَرَاهِم بِدَرَاهِم مُتَفَاضِلَة، دَخَلَتْ بَيْنهَا حَرِيرَة"وَفِي رواية عَنْه: أَنَّهُ قَالَ"اِتقُوا هَذِهِ الْعِينَة، لَا تَبِيعُوا دَرَاهِم بِدَرَاهِم بَيْنهمَا حَرِيرَة" [3] فكذلك التورق المنظم نقودٌ بنقود دخلت بينهما سلعة، ولا يكتسب الشرعية بتسميته تورقًا مباركًا، أو تورق التيسير، أو تورق الخير، أو تورق اليسر؛ إذ العبرة في العقود بالمقاصد والمعاني لا للألفاظ والمباني."
(1) أخرجه أبو داود في البيوع، باب في الرجل يبيع ما ليس عنده برقم: 3057 من حديث عبد الله بن عمرو
(2) الترمذي في الجنائز وسلم - باب ما جاء في كراهية بيع ما ليس عندك برقم: 1191
(3) أخرجه ابن أبي شيبة في البيوع والأقضية برقم: 19733 وتهذيب سنن أبي داود2/ 142