الجهة الثانية: الشمولية المتمثلة في مراتب الإعمار' بمعنى شمولية الأمر بالإعمار لجميع المراتب والمستويات من الإعمار.
وهذه الشمولية أمكن إثباتها بالتمسّك بعدّة وجوه، وهي:
1)لا يوجد نصّ يدلّ على الاقتصار في الإعمار على مرتبة خاصة من غير زيادة عليها، بل يوجد العكس، وهو ما سيأتي توضيحه كوجه ثان.
2)إطلاق الآية الشريفة ' ونقول في توضيح ذلك: إنّه كما يدلّ إطلاق الآية على اتّساع دائرة ما أمر بإعماره إلى ما يستوعب جميع الأرض، فكذلك يدلّ إطلاقها على أنّ كل مرتبة من مراتب إعمار الأرض داخلة تحت هذا الشمول، فتعميق عملية الإعمار والتوسّع فيها ليشمل ما أمكن من جميع المستويات أمر داخل في هذا الإطلاق.
3)ما قيل بأنّ الشارع أمَر بالاقتصار على المراتب البدائية للإعمار (كالاكتفاء بغرس الأشجار وأمثاله) ، ولم يسمح للناس بالتوسّع في إعمار الآرض، والارتقاء بمستوي الاستغلال المطلوب، والاستفادة من جميع الفرص المتاحة والإمكانيات الكامنة فيها، مرفوض ومردود، إذ يعني أن المطلوب للشارع لزوم محاولة إبقاء المجتمع الانساني على سذاجته، وأنّه لايجوِّز للناس من دفع عجلة تطور قابليات وإمکانيات الحياة إلى الأمام.
4)إنّ أوّل إعمار قام الإنسان به على الأرض ارتقى به - شاء أم لم يشأ - إلى مرتبة حدثت له حاجات جديدة، وتلك الحاجات بدورها تطلّبت إعمارًا جديدًا ومتطوّرًا، وبعد إنجازه ظهرت حاجات جديدة أخرى متطوّرة ' وهي بدورها تطلّبت زيادة في مستوي الإعمار وتطويره ' وهذا التطور الحاصل في الإعمار أيضًا خلق مرتبة جديدة من الحاجات ... وهكذا. فتصوّر صدور الأمر الشرعي بالتوقّف في مرتبة يعني عدم مسايرة الشرع مع الزمن ' وكونه غافلاَ عن الواقع للحياة.
الجهة الثالثة: الشمولية الأزمانية: وذلك مستفاد من عموم الخطاب لكل الأجيال، فليس من خوطب بها جيل دون جيل، وعليه ليس عمران الأرض في زمان دون زمان هو المطلوب للشارع.
وإذا قبلنا ذلك ' نحصل على نتيجة'وهي أن العمران الذي يقوم به كل جيل' مقيد بأن لا ينتهي إلى حرمان الأجيال القادمة من التمكن من العمران.
وبتعبير آخر: انّ الذي قد أمر الله سبحانه به في الآية المشارإليها، هو العمران المستدام، لا كل ما يطلق عليه العمران، والمقصود من العمران المستدام، ما لو حقّقه في زمن جيل من الأجيال، فهو لا يعدم الأرضية للأجيال التي تأتي من بعده، بل الأمر أکثر من ذلك؛ أي: ليس فقط يفسح المجال للأجيال القادمة في أن يقوموا بالعمران، بل يلعب دورًا إيجابيًا للمستقبل، ويمهّد الأرضية للقادمين في القيام بعمرانها. والعمران المستدام في واقعه هو ما يسمّى اليوم بالتنمية المستدامة، وقد عرّفت التنمية المستدامة بأنها هى التى تلبّى حاجات الحاضر دون التفريط في تأمين حاجات أجيال المستقبل. إنّ التنمية المستدامة هي الطريق الوحيد للجمع بين متطلّبات واقتضائات عملية رفع ومكافحة الفقر من جهة، وبين احتياجات ومتطلّبات حماية البيئة ومحافظتها من التخريب من جهة أخري. امّا التنمية غير المستدامة، فهي على العكس من ذلك؛ إذ توقِع الضرر بالبيئة وتسبّب تلوث مواردها وتنتج مشكلات عديدة فيها.
ويمكن بالاستناد إلى هذه القاعدة إثبات ثلاثة أحكام: