الصفحة 9 من 25

أبو طالب المكي: التداوي رخصة وسعة، وتركه ضيق وعزيمة، والتداوي من المرض لا ينقص توكل العبد، وترك التداوي أفضل للأقوياء، وهو من عزائم الدين، وطريقة أولي العزم من الصديقين، وقد حكي ابن جزي عن كثير من الصوفية القول بهذا المذهب [1] .

المذهب الخامس:

يري أصحابه عدم جواز المداواة, اتكالا علي الله تعالي، ورضي بما نزل من البلاء, حكاه العيني عن بعض الصوفية، وقد وصفهم النووي بغلاة الصوفية، وحكاه ابن رشد"الجد"عن بعض السلف [2] .

أدلة المذاهب:

استدل أصحاب المذهب الأول علي استحباب التداوي من الأمراض بما يلي:

أولا: السنة النبوية المطهرة: أحاديث كثيرة منها:

1 -روي عن أبي الدرداء - رضي الله عنه - أن رسول - صلى الله عليه وسلم - قال:"إن الله أنزل الداء والدواء، وجعل لكل داء دواء، فتداووا ولا تتداووا بحرام" [3] .

2 -روي عن أبي هريرة - رضي الله عنه - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال:"ما أنزل الله من داء، إلا أنزل له شفاء" [4] .

3 -روي عن جابر - رضي الله عنه - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال:"لكل داء دواء، فإذا أصيب دواء الداء بريء بإذن الله تعالي" [5] .

4 -روي عن ابن مسعود - رضي الله عنه - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال:"ما أنزل الله داء إلا وأنزل له دواء جهله من جهله وعلمه من علمه" [6] .

وجه الدلالة من هذه الأحاديث:

أفادت هذه الأحاديث أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يتداوي، ويصف لأصحابه الأدوية مما أصابهم من الأدواء، وأنه كان يأمر بالتداوي، فدل هذا على استحباب التداوي، وأنه لا ينافي التوكل علي الله تعالي.

اعترض علي الاستدلال بها علي استحباب التداوي بما يلي:

أ - قال بعض العلماء: إن الأطباء يجمعون علي أن العسل مسهل، فكيف يوصف لمن به الإسهال، ويجمعون أيضا علي أن استعمال المحموم الماء البارد مخاطرة قريبة من الهلاك، فكيف يوصف لمن به حمي [7] .

(1) المجموع 5/ 96، شرح النووي علي مسلم 14/ 191، مغني المحتاج 1/ 357، إحياء علوم الدين 4/ 286، 292، فتاوى ابن تيمية 21/ 564، كشاف القناع 2/ 76، الآداب الشرعية 2/ 358، قوت القلوب 2/ 21، 22، القوانين الفقهية / 295

(2) المقدمات الممهدات 3/ 466، عمدة القاري 21/ 230، شرح النووي علي صحيح مسلم 14/ 191، عون المعبود 10/ 335.

(3) أخرجه البيهقي وأبو داود في سننيهما وسكتا عنه، وأخرجه الطبراني في الكبير, وقال الهيثمى: رجال الطبراني رجال الصحيح. (السنن الكبرى 10/ 5, سنن أبي داود 3/ 335، الطبراني: المعجم الكبير 24/ 254, الهيثمي: مجمع الزوائد 5/ 86) .

(4) أخرجه البخاري في صحيحه 7/ 222.

(5) أخرجه مسلم في صحيحه 4/ 1729.

(6) أخرجه ابن حبان في صحيحه, والحاكم في المستدرك، وأحمد في مسنده وقال الحاكم: صحيح الإسناد ولم يخرجاه. (صحيح ابن حبان 13/ 427، المستدرك 4/ 196، الفتح الرباني 17/ 156) .

(7) شرح النووي علي صحيح مسلم 14/ 191.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت