الصفحة 10 من 25

أجيب عنه:

قال المازري: هذا الذي قاله هذا المعترض جهالة بينة، فقول رسول الله - صلى الله عليه وسلم:"لكل داء دواء، فإذا أصيب دواء الداء بريء بإذن الله عز وجل"، فيه بيان واضح، لأنه قد علم أن الأطباء يقولون: المرض: هو خروج الجسم عن المجري الطبيعي، والمداواة رده إليه, وحفظ الصحة بقاؤه عليه، فحفظها يكون بإصلاح الأغذية وغيرها، ورده يكون بالموافق من الأدوية المضادة للمرض، لكن قد يدق ويغمص حقيقة المرض، وحقيقة طبع الداء، فتقل الثقة بالمضادة، ومن ههنا يقع الخطأ من الطبيب فقط، فلا يحصل الشفاء، فكأنه - صلى الله عليه وسلم - نبه بآخر كلامه علي ما قد يعارض به أوله, فيقال: قلت:"لكل داء دواء"، ونحن نجد كثيرين من المرضي يداوون فلا يبرأون,

فقال: إنما ذلك لفقد العلم بحقيقة المداواة, لا لفقد الدواء [1] .

ب- قال بعض العلماء: إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إنما تداوي ليسن لغيره، وإلا فالتداوي حال الضعفاء، وترك التداوي درجة الأقوياء، فوجب التوكل بترك الدواء [2] .

أجيب عنه:

قال الغزالي: ينبغي أن يكون من شروط التوكل ترك الحجامة والفصد، وترك العقرب أو الحية تلدغه، فلا ينحيها عن نفسه، إذ الدم يلدغ الباطن، والعقرب أو الحية تلدغ الظاهر، وأن لا يزيل لدغ العطش بالماء، ولدغ الجوع بالخبز، ولدغ البرد بالكساء، ولم يقل بهذا أحد، فإن جميع ذلك أسباب رتبها مسبب الأسباب سبحانه وتعالي، وأجري بها سنته [3] .

ثانيا المعقول: وجوه منها:

1 -إن الأدوية والرقي والتقي من قدر الله تعالي، فما خرج شيء عن قدره، بل يرد قدره بقدره، وهذا الرد من قدره، فلا سبيل إلي الخروج عن قدره بوجه ما، وهذا كرد قدر الجوع والعطش والحر والبرد بأضدادها، وكرد قدر العدو بالجهاد، وكل ذلك من قدر الله: الدافع والمدفوع والدفع [4] .

2 -إن التداوي من قدر الله سبحانه، فهو كالأمر بالدعاء، وكالأمر بالتحصن ومجانبة الإلقاء باليد إلي التهلكة، مع أن الأجل لا يتغير، والمقادير لا تتأخر ولا تتقدم عن أوقاتها، ولابد من وقوع المقدرات [5] .

استدل أصحاب المذهب الثاني علي وجوب التداوي بما يلي:

أولا: الكتاب الكريم:

قال تعالي:"ولا تلقوا بأيديكم إلي التهلكة" [6] ، وقال سبحانه:"ولا تقتلوا أنفسكم" [7] .

وجه الدلالة من الآيتين:

نهي الحق سبحانه وتعالي عن قتل النفس أو الإلقاء بها إلي ما فيه هلاكها، وترك التداوي إذا علم أن فيه شفاء من المرض قتل للنفس، فيكون منهيا عنه، وإذا كان حفظ النفس واجبا، فما كان سبيلا إليه - وهو التداوي من المرض - يكون واجبا كذلك.

ثانيا: السنة النبوية المطهرة: أحاديث منها:

(1) المصدر السابق 14/ 192.

(2) أخرج الأحاديث الدالة علي ذلك البخاري ومسلم في الصحيحين. (صحيح البخاري 1/ 333، صحيح مسلم 1/ 452) .

(3) الغزالي: إحياء علوم الدين 4/ 290.

(4) شرح النووي علي صحيح مسلم 14/ 191.

(5) ابن القيم: زاد المعاد 3/ 68 ..

(6) من الآية 195 من سورة البقرة.

(7) من الآية 29 من سورة النساء.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت