خيار أئمتكم الذين تحبونهم و يحبونكم و يصلون عليكم و تصلون عليهم وأشرار أئمتكم الذين تبغضونهم و يبغضونكم و الذين يلعنوكم وتلعنوهم" (79) ."
ولا يمكن تحقيق هذا الهدف وإيجاد هذا الجو إلا بوجود علماء مخلصين وأئمة عادلين يساعدون الأمة في اتباع حكم الشريعة. بسبب أهمية هذه الشروط الثلاثة كان النبي صلى الله عليه و سلم يهتم بها اهتماما خاصا. فيقول سيدنا عوف بن مالك: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:"إني أخاف على أمتي من أعمال ثلاثة"قالوا: وما هي يا رسول الله؟ قال:
-ذلة عالم
-حكم جائر
-و هوى متبع
هذا هو الجو الذي كان سائدا في قرون السلف الصالح. فالصحابة كانوا يتواصون بينهم بالحق و الصبر. و كانوا يأمرون بالمعروف و ينهون عن المنكر. و كان أحدهم لا يجامل أحدا في الحق. و كانوا لا يخافون في الله لومة لائم. و كان دأبهم حرية القول وكلمة الحق. وكان النبي صلى الله عليه وسلم رباهم على ذلك. فكانوا يختلفون معه في أمور سمحت الشريعة الإسلامية فيها أن يكون للرأي مجالًا. فهذا الصحابي الجليل حباب بن المنذر يسأل النبي صلى الله عليه وسلم قبل غزوة بدر عن قراره في اختيار مكان مناسب للمعسكر الإسلامي و يقول: هل هذا وحي أوحى الله إليك أم هو الرأي و الحرب و المكيدة؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: بل هو الرأي و الحرب و المكيدة. فأبدى حباب بن المنذر عن رأيه في موقع المعسكر و الذي وافقه عليه النبي صلى الله عليه وسلم (80) . وهذا الصحابي الجليل عمر بن الخطاب رضي الله عنه عندما سمع أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر أبا هريرة أن يبشر من رآه من المسلمين بالجنة. فضرب في صدره ومنعه من ذلك و قال للنبي صلى الله عليه وسلم: إني أخشى ان يتكلوا. فوافقه النبي صلى الله عليه وسلم على رأيه وقال: فلا إذا (81) .
ولم تكن هذه الروح و هذه الحرية محدودة بين كبار الصحابة و قادة المهاجرين و الأنصار، بل تحلى بها جميع أعضاء المجتمع عبيدا وإماء صغارًا و كبارًا فقيرا و غنيا. فهذه بريرة ترفض البقاء مع زوجها المغيث بعد أن عتقت من الرق. فلما كلمها النبي صلى الله عليه وسلم في شأن مغيث، قالت: هل هذا أمر أم مشورة؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم"لا بل مشورة. فلم تقبل مشورة النبي صلى الله عليه وسلم و أصرت على قرارها السابق. لا شك أن هذه القضية كانت قضية شخصية و فردية لبعض آحاد المسلمين، و لكنها تدل على الجو السائد و البيئة القائمة، بيئة تمتاز بحرية الاختلاف و التنازع جو تسوده حرية النقد وحرية التعبير."
وهذه الحرية - حرية التعبير و النقد- هي التي مكنت أئمة الحديث و قادة الجرح والتعديل من نخل الرواة نخلا و تمييز الثقات من الضعفاء و الفرق بين المقبولين والمرفوضين. وقد بلغ مستوى الحرية و الشعور بالمسؤولية نحو الحق و الصدق أن احدهم لم يتردد من جرح أبيه و الآخر من جرح أخيه.
وقبل أن نختم هذا الحديث ينبغي أن نشير إلى أن حرية التعبير عن الرأي لها صلة قوية عميقة بالعلم و المعرفة. فلا رأي إلا ما صدر عن علم و حكمة. فلا يسمح في دولة الإسلام و مجتمعه أن يعبر أحد عن رأي لا يستند إلى علم و حكمة. فكل رأي يؤدي إلى