الإساءة إلى النظام و المس بالأمن والسلام وأن يتعرض أحد باسم الحرية للأعراض و الدماء.
7 -إن من مقاصد الشريعة الحفاظ على العقل. وجاءت الشريعة الإسلامية بكثير من الأحكام تهدف إلى الحفاظ على العقل الذي هو مناط التكليف الشرعي كله. و حرم الشارع الحكيم كل شيء يؤثر في العقل تأثيرا سلبيا. منها منع الخمور و المخدرات. ومنها منع الجبت و الطاغوت و السحر وكل ما أثر في العقل البشري وأخل بالملكة الفكرية. فلا يجوز نشر الخرافات و السفاهات و الضلال و الكفر و الطاغوت باسم حرية التعبير. فحرية التعبير لا تعني الهذيان. لأن الهذيان يؤدي إلى الفرية و الفرية تستوجب عقوبة الحد. قال سيدنا علي بن أبي طالب في شارب الخمر:"نرى أنه إذا شرب سكر، وإذا سكر هذى وإذا هذى، افترى، وعلى المفتري ثمانون جلدة" (76) . هذا القياس العلوي يدل على أن كل شيء يؤدي إلى الفرية و الهذيان يجب أن يمنع و يعاقب عليه في الدولة الإسلامية.
ثم، كما سبقت الإشارة إليه، أن قول الحق و التعبير عن الرأي السديد من الواجبات الشرعية الهامة التي أمرت بها الشريعة الإسلامية. فالأمر بالمعروف لا تنحصر مسؤولياته وواجباته في شؤون الدولة و مؤسسات القضاء. بل له مستويات. فيجب الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر على كل فرد من أفراد المسلمين رجالًا و نساء، شيوخا و شبابا، كل حسب مؤهلاته و سعة نفوذه. و هذا الواجب على المستوى الفردي أشار إليه قوله تعالى ناقلا نصيحة لقمان لابنه وهو يعظه:"يا بني أقم الصلاة وأمر بالمعروف وانه عن المنكر واصبر على ما أصابك" (77) . فكما أن الصلاة فريضة على كل مسلم عاقل بالغ ومسؤوليته فردية فكذلك الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر وعليه أن يصبر على ما أصابه خلال أداء هذه الفريضة.
ثم تأتي مرحلة المجتمع كله و جماعة المسلمين بأسرها. وهذه المرحلة هي أشارت إليها نصوص كثيرة من الكتاب و السنة وهو ما ثبت من الدين بالضرورة. فإن النصوص تضافرت و الأحاديث تواترت بهذا المعنى.
ومن هذا الباب القيام بواجب التواصي بالحق و التواصي بالصبر، الواجب الذي نزلت به سورة العصر وهي من السور المكية. وهذه دلالة واضحة و صريحة على أن التواصي بالحق و الصبر فريضة محكمة على أهل الإيمان ولا تحتاج في القيام بها إلى وجود دولة أو مؤسسة سياسية. ولا يمكن التواصي بالحق و التواصي بالصبر - وهما فريضتان جماعيتان و مسؤوليتان اجتماعيتان، كما تدل عليه صيغة التواصي التي هي من باب التفاعل - إلا بممارسة حرية التعبير و حرية كلمة الحق.
من المعلوم أن الشريعة الإسلامية أمرت المسلمين بالنصيحة لكل واحد. ومن أهم أنواع النصيحة النصيحة لأئمة المسلمين و عامتهم، كما ورد في الحديث المعروف (78) وهذه النصيحة هي التي أشار إليها الخلفاء الراشدون عندما طلبوا من المسلمين أن يسددوهم ويقوموهم كلما زاغوا عن الطريق. ولا شك أن القيام بهذا الواجب يتطلب وجود بيئة تسودها الحرية و مشاعر النصيحة و عواطف الإخاء. ولا يمكن نصيحة أولياء الأمور وأصحاب النفوذ في بيئة استبدادية يسودها الخوف و العدوان. فإن الجو المثالي في الدولة الإسلامية هو الذي تتجلى فيه روح من الإخاء و الرحمة و الحب و الإخلاص بين أئمة المسلمين وعامتهم. فروى سيدنا عوف بن مالك عن النبي صلى الله عليه و سلم أنه قال:""