فهرس الكتاب

الصفحة 17 من 26

هذه هي الحرية الحقيقية ذات الأبعاد المتعددة التي دعت إليها الشريعة الإسلامية، فالحرية كل الحرية في الالتزام بأوامر الخالق. والحرية الحقيقية في التقيد بقيود الأخلاق. والحرية الدائمة في البقاء داخل حدود العدل و الروحانية التي جاءت بها الشرائع وأصول الدين. أما الحرية المزعومة التي تطغى على كل هذه الاعتبارات هي من الابتكارات الإبليسية والإبداعات الشيطانية التي ظهرت في الحضارة الغربية، على حد تعبير الشاعر الإسلامي والمفكر الكبير محمد إقبال (65) .

والجدير بالذكر أن الحضارة الغربية تدعي وتزعم بأنها تهتم اهتماما كبيرًا بكرامة الناس وسمعتهم وأعراضهم، ووضعت لذلك قواعد، وشرعت للحفاظ على هذه الكرامة والسمعة مؤيدات تشريعية وغير تشريعية. والغربيون لا يعتبرون هذه المؤيدات أو القيود والحدود نفيًا للحرية. ولكن عندما تأمر الشريعة الإسلامية بوضع حدود وقيود للحرية فهي تعتبر نافية للحرية وقاضية عليها.

واتفقت كلمة القوانين والأنظمة والنظريات القديمة والحديثة والمعاصرة على أنه لا وجود للحرية المطلقة غير المقيدة التي يمارسها الفرد كما يريد دون أن يتقيد بقيود معقولة، ودون أن يراعي الممارس باستثناءات تنظم حريته وتضبط ممارستها فما من حق إلا وهو محدود بحدود، وما من حرية إلا وهي مقيدة بقيود. فليس في العالم حق مطلق لأي فرد من الأفراد. وليست هناك حرية مطلقة لأي شخص من الأشخاص. ويعترف بمشروعية هذه القيود الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الذي ينص في المادة التاسعة والعشرين على ما يلي:"على أن الحقوق الواردة فيه تخضع للقيود التي يقررها القانون فقط، وذلك لتحقيق المصلحة العامة والنظام العام والأخلاق في مجتمع ديموقراطي" (66) . ونصت المادة الرابعة والعشرون من الإعلان الإسلامى العالمي لحقوق الإنسان الصادر في عام 1989م والمتضمن خمسًا وعشرين مادة ووافقت عليه الدول الإسلامية بعد بحث ونقاش استمر عشرة سنوات على أن الحقوق الواردة في هذا الإعلان مقيدة بالشريعة الإسلامية.

والقيود المتفق عليها في الأنظمة العالمية تشتمل على عدم الإضرار بالآخرين، وممارسة الحقوق بدون إسراف، وممارستها بدون الإساءة في استعمالها، وألا تخل بالنظام العام والأخلاق والعادات. وتعترف الوثائق والدساتير المعروفة بحق الدولة في ضبط هذه الحرية وتنظيم ممارستها بقانون. ولا شك أن تصور الإخلال بالنظام العام والأخلاق يختلف من حضارة إلى حضارة، وبيئة إلى بيئة. ويختلف تصور الإضرار بالآخرين من نظام إلى نظام. فالإساءة إلى الشخصيات الإسلامية المقدسة تعتبر إضرارًا كبيرًا في الشريعة الإسلامية، والبعض الآخر من الشرائع. ولا تعتبر ضررًا كبيرًا في المجتمعات الإلحادية البعيدة عن الأخلاق والديانات. واعترف الإعلان العالمي الإسلامي لحقوق الإنسان بضرورة وضع حدود مختلفة عن نظائرها في العالم الغربي. فنصت المادة الخامسة والعشرون من هذا الإعلان على أن الإعلام ضرورة حيوية للمجتمع، ويحرم استغلاله وسوء استعماله والتعرض للمقدسات وكرامة الأنبياء فيه، وممارسة كل ما من شأنه الإخلال بالقيم أو إصابة المجتمع بالتفكك أو الانحلال أو الضرر أو زعزعة الاعتقاد.

فتعد حرية الرأي والتعبير حقًا لكل شخص على ألا يتعارض رأيه مع قواعد الشريعة الثابتة ومع المبادئ الإسلامية المتفق عليها، وإلا يؤدي إلى إنكار ما ثبت من الدين بالضرورة. ونصت على ذلك المادة الرابعة والعشرون من الإعلان الإسلامى لحقوق الإنسان:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت