ثالثا: فإن الإسلام نوع من العهد والالتزام. وهذا العهد والالتزام ذو نواح متعددة وأبعاد متنوعة وجهات كثيرة. فهو عقد بين المسلم وربه، لأن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة (60) . وهو عقد بين الفرد والمجتمع ينشأ على أساسه كثير من الحقوق والواجبات. وهو عقد بين المواطن والدولة. وهو عقد بينه وبين أفراد أسرته. ثم كل فرد بسلوكه ومعاملته وخلقه يجب أن يمثل الأمة الإسلامية كلها. فالمسلمون تتكافأ دماؤهم وأموالهم ويسعى بذمتهم أدناهم وهم يد على من سواهم (61) .
ومن القواعد المعترفة في جميع الأنظمة ومن العادات المتبعة في كل المجتمعات أن الإنسان حر في قراره في الدخول في العقد أو عدم الدخول. فمن شاء أن يدخل في عقد والتزام مع غيره فله الحرية الكاملة في ذلك. ومن قرر أن لا يدخل في عقد فلا يكره في الدخول فيه. ولكن إذا دخل في التزام عقدي وتعهد بذلك بمسؤوليات وواجبات إزاءها حقوق وامتيازات فلا يسمح له أن يتخلى عن مسؤولياته من جانب واحد. فالعقد ليس أحادي الجانب، ولا يجوز التنصل من العقد من جانب واحد.
رابعًا: إن الحرية عبارة عن القدرة على التصرف بما لا يضر الآخرين. فكيف تعتبر ممارسة الحرية ممارسة مشروعة إذا أضرت هذه الممارسة أسس المجتمع وقواعد الدولة وأصل التشريعات والقوانين. فالحرية دائمة مقيدة بما يمنع اعتداء الأفراد على بعضهم ولذلك أجازت جميع الوثائق والدساتير المعروفة تنظيمها بقانون وضبطها بتنظيمات ولوائح.
مفهوم الحرية في الشريعة الإسلامية:
ويتبين من هذه المباحث أن تصور الحرية في الشريعة الإسلامية يختلف عن تصورها في الفكر العلماني الغربي. فالحرية عند العرب من سمات الأمم الكريمة، والحرية عبارة عن الشعور بالمسؤولية. فكلاهما أمران متلازمان. واستخدم العرب الأقحاح الذين نزل القرآن بلسانهم العربي المبين كلمة الحر والحرية بمعنى أعلى وأرفع بكثير من معاني الحرية المادية التي توجد في الصحافة الغربية. فالحر من الناس خيارهم وأفاضلهم. والحر من كل شيء أعتقه وأكرمه. والحرة من النساء الكريمة (62) . ومن معاني الحر الأصيل والطيب. فالحر من كل أرض وسطها وأطيبها. وحر الدار وسطها وخيرها. والحر من الفعال أحسنها. والحرة من السحاب الكثيرة المطر. والحرية من العرب أشرافهم. ويقال من حرية قومه أي من خالصهم (63) .
هذه هي مفاهيم الحرية عند العرب ومن هذه المعاني والمفاهيم أضفت الشريعة معانيها وسماتها على الحرية. فمفهوم الشريعة للحرية أسمى وأعلى وأزكى من حرية أهل الغرب. فالحرية الإسلامية هي حرية من رق الماديات والشهوات، حرية من عبودية الشياطين والطواغيت قبل ان تكون حرية بالمعاني السياسية. والجدير بالذكر أن بعض علماء الإسلام قسموا الحرية إلى نوعين:
1 -حرية البهائم
2 -حرية الإنسان
فحرية البهائم هي الحرية المطلقة لنيل الشهوات الحيوانية وحرية لتكميل النزعات البهيمية. كما قال العلامة المفسر السيد رشيد رضا نقلا عن أستاذه وشيخه محمد عبده:"وليست سعادة الإنسان في حرية البهائم بل في الحرية التي تكون في دائرة الشرع ومحيطه. فمن اتبع هداية الله فلاشك أنه يتمتع تمتعًا حسنًا، ويتلقى بالصبر كلما أصابه" (64) .