المعيشي بين الأمم. فقال عليه السلام: إنما هلك من قبلكم انه إذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد، وإذا سرق الشريف درؤوا عنه الحد، والذي نفسي بيده لو سرقت فاطمة بنت محمد لقطعت يدها" (58) هذا هو مبدأ المساواة الكاملة أمام القانون، ويمتاز التاريخ الإسلامى بوقائع لا تعد ولا تحصى بتحقيق هذه المساواة القانونية والقضائية، التي لا توجد نظائرها عند الأمم."
تطورات في فكرة الحرية
إن فكرة الحرية تطورت تطورا كبيرا مع التطورات الفكرية والدستورية، خاصة في العالم الغربي. فتشعبت فروعها وتنوعت أنواعها. وأدت إلى هذا التوسع والتنوع الوثائق العالمية المختصة بحريات الناس وحقوق الإنسان. وأهم هذه الحريات كما مرت الإشارة إليه تتضمن حرية العقيدة والعبادة، وحرية الفكر والرأي، وحرية الكتابة والنشر، وحرية العمل والتجارة. ولاشك أن أهم هذه الحريات هي حرية العقيدة التي تمثل عنصرًا أساسيا في الحياة الإنسانية الحرة.
وتعنى حرية العقيدة في مفهومها الغربي حق الفرد في أن يعتنق ما يطيب له من المبادئ والعقائد دون تدخل من أي جهة من المجتمع أو الدولة أو الأسرة. فيجوز للإنسان أن يختار الدين الذي يشاء، ومن حقه أن يتخلى عن جميع الأديان ويختار ألا يؤمن بأحد من الأديان. وبموجب هذا التعريف تقتضي حرية العقيدة أن يتمتع الإنسان بحرية الإلحاد، وحرية الزندقة والدهرية، فإنها تعتبر عند أهل الغرب أنواع للحريات الدينية. ولاشك أن هذا المفهوم للحرية العقيدية نتيجة مباشرة ومنطقية لنظرية العلمانية التي قطعت كل أنواع الصلة بين الدين والدولة، وتصر على عدم تدخل الدولة في أمور الدين. وينادون بما نسبوا إلى السيد المسيح أنه قال:"أعط قيصر ما لقيصر وأعط لله ما لله". بناء على هذه النظرية يعتبرون الدين ومبادئ الأخلاق والمثل الروحانية كلها رأيا شخصيا لكل واحد. فكما يجوز للإنسان أن يختار أي لون يحبه من بين الألوان، أو يأكل أي طعام يشتهيه من بين الأطعمة، أو يكتسي أي ملبس يعجبه من بين الملابس، ولا حق لأحد أن يعترض عليه أو يفرض عليه مالا يحبه ولا يشتهيه، فكذلك عندهم شأن الدين والمبادئ الأخلاقية. فالقضية لا تعدو أكثر من ذلك.
ولكن المفهوم الإسلامي لحرية العقيدة يختلف عن ذلك تمامًا. أولا: لأن العقيدة للمسلم فوق كل شيء آخر وفوق كل اعتبار آخر، فهي تشكل القاعدة الأساسية التي يبتني عليها صرح الشريعة وبناء الحضارة. ومنها تستمد الدولة مشروعيتها، وفيها يحصل المسلم على شخصيته وهويته. فالعقيدة جزء أساسي للشريعة. فلا شريعة بدون العقيدة ولا مظهر للعقيدة بدون الشريعة.
ثانيا: إن الشريعة تفرق بين من لم يقبل العقيدة الإسلامية ولم يشهد بالشهادتين، فله الحرية في أن يقبل هذه العقيدة أو لا يقبلها. فلا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي (59) . أما من قبل هذه العقيدة واعتنق الإسلام ودخل في إخاء الإسلام فقد أصبح عضوًا في المجتمع الإسلامى، فيتمتع بالإخاء والمساواة في الأخوة الإسلامية ويلتزم بكل الواجبات والمسؤوليات التي طرأت عليه بعد قبوله العقيدة. فتختلف حالة من حالته الخارج من العقيدة. فلا يسمح لمن دخل أن يرفض هذه العقيدة ويثور على نظامها. فان الثورة على عقيدة الإسلام ثورة على أساس المجتمع. والحفاظ على العقيدة حفاظ على أسس الحضارة والشريعة. والدفاع عن العقيدة دفاع عن البنية التحتية لصرح الدولة والمجتمع. فالثورة ضد هذه العقيدة والأساس مما لا تسمح به الشريعة الإسلامية باسم الحرية أو الحقوق الإنسانية.