سواء، لأنهم كلهم أخوة، وكلهم من آدم وآدم من تراب (48) . ولا فضل في ظل نظام الشريعة لعربي على عجمي ولا لأحمر على أسود إلا بالتقوى (49) . ولا فرق في الحقوق الممنوحة بين الحاكم والمحكوم، وبين المؤمن والكافر. فان القاعدة التي وضعها الفقهاء هي ان المسلم والكافر في مصاب الدنيا سواء (50) . وان لغير المسلمين في دار الإسلام للمسلمين وعليهم ما على المسلمين (51) .
ومما يجدر بالذكر ان كثيرا من الأنظمة القديمة والحديثة فشلت في تحقيق هذه المساواة. لأنها أخذت بالاعتبارات غير الحقيقية وغير الإنسانية أساسا لنظامها وقاعدة لتشريعاتها. وهى إما تأسست على اعتبار اللون أو العرق أو الجيوغرافية أو القبلية أو اللغة، أو تأسست على مصالح مادية لمجموعة من أصحاب المصالح، أو قامت على بواعث استعمارية او تجارية ومنافع اقتصادية. فلم تتمكن من تحقيق هذه المساواة المنشودة، على الرغم من محاولات مخلصة - في بعض الأحوال - قام بها المفكرون والمصلحون. ومن العوائق التي تسبب مشاكل كبيرة وعراقيل جبارة في سبيل تحقيق المساواة وممارسة الحريات ما يسمى بالامتيازات التي يدعيها أصحاب السلطة والنفوذ لأنفسهم ولشركاءهم في المصالح.
أما الشريعة الإسلامية فأغلقت كل هذه الأبواب، وقررت أن الحاكم والمحكوم سواء في التزامهما بشرع الله، والحاكم بمثابة نائب ووكيل للأمة التي هي صاحبة السلطة التي يمارسها نيابة عنها أهل الحل والعقد في حدود الشريعة الإسلامية. فالإمامة لا تنعقد إلا ببيعة أهل الحل والعقد."والإمام في جميع ما يتولاه وكيل للأمة ونائب عنها وهى من ورائه في تسديده وتقويمه وإذكاره وتنبيهه وأخذ الحق منه إذا وجب عليه وخلعه والاستبدال به متى اقترف ما يوجب خلعه". (52) هذا ما كتبه الفقيه المالكي والمتكلم الجليل القاضي أبو بكر الباقلانى في القرن الرابع. ولم يختلف رأيه عن رأى فقيه شافعي جليل ومتكلم من كبار متكلمي الإسلام، وهو إمام الحرمين أبو المعالي عبد الملك الجويني الذي قال: ان الإمام إذا جاء وظهر ظلمه وغشه فلأهل والعقد التواطؤ على ردعه ولو بشهر السلاح ونصب الحروب (53) . وذلك لأن أهل الحل والعقد ينوبون عن الأمة في اختيار أولياء الأمور، ملوكاّ وخلفاء ورؤساء. وهذا ما لا خلاف فيه بين علماء المذاهب وفقهاء الأمصار. فيقول مثلا الشيخ عبد القاهر البغدادي: وقال الجمهور الأعظم من أصحابنا (أي من أهل السنة والجماعة) ومن المعتزلة والخوارج والنجارية أن طريق ثبوتها - أي الإمامة - الاختيار من الأمة باجتهاد أهل الاجتهاد منهم (54) . ويؤيده ما قاله الفقيه الحنبلي الجليل، العلامة ابن قدامة الذي يقول: من اتفق المسلمون على إمامته وبيعته ثبتت إمامته ووجبت بيعته (55) . وصرّح بهذه القاعدة شيخ الإسلام والمسلمين العلامة ابن تيمية: الذي قال: الإمامة تثبت بمبايعة الناس لا بعهد السابق له (56) . والذين صرّحوا بهذا المبدأ من العلماء والفقهاء المعاصرين فلا يمكن إحصاءهم.
فكون أولياء الأمور نوابا عن الأمة - صاحبة القول الفصل في اختيار أولياء الأمور - أمر اتفقت عليه الأمة من عصر الصحابة إلى يومنا هذا. ولذلك لا يتميزون على عامة الناس بحقوق عالية وامتيازات خاصة. يقول الإمام بدر الدين بن جماعة بعد أن ذكر حقوق السلطان على الأمة: وما سوى ذلك فالسلطان فيه واحد من المسلمين، له مالهم عليه ما عليهم: من فرض وسنة، وطاعة ومعصية، وحلال وحرام، وغير ذلك من الكلام (57) .
واعتبرت الشريعة الإسلامية هذه الامتيازات القائمة والفوارق المصطنعة بين طبقة الحكام والمحكومين من أكبر أسباب الهلاك الجماعي والانحطاط الحضاري والتدهور