فهرس الكتاب

الصفحة 13 من 26

أفضل من هجرة معي (38) . وقال أيضا: لا يحقرن أحدكم نفسه. قالوا: يا رسول الله! كيف يحتقر أحدنا نفسه؟ قال: يرى أن عليه مقالا، ثم لا يقول فيه. فيقول الله عز وجل يوم القيامة: ما منعك أن تقول في كذا وكذا؟ فيقول: خشية الناس! فيقول: إياي كنت أحق أن تخشى (39) . وهذا يدل على أن خشية الناس في الدنيا لا يعتبر عذرا لعدم قول الحق. فالحق أحق أن يتبع. ولهذه الأهمية اعتبرت كلمة حق عند سلطان جائر أفضل الجهاد (40) .

ثم العدل يحتل مكانة هامة رفيعة في صرح الشريعة كلها. وتحقيق العدل بكامله في كل نواحي الحياة وعلى جميع المستويات المطلوبة هو الهدف الحقيقي الأساس لإرسال الرسل وإنزال الكتب، كما قال سبحانه وتعالى: لقد أرسلنا رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط (41) . فالأحكام الشرعية كلها، جاءت لتحقيق العدل والاعتدال والوسطية والاتزان في جوانب الحياة المختلفة. وكذلك جاءت جميع المنهيات الشرعية و الظلم والاعتداء، منعا لأنواع الفساد والفحشاء.

فكان في ممارسة حرية التعبير تحقيق للعدل. فالقيام بالشهادة والقول الحق خطوة أولى في سبيل تحقيق العدل. ولذلك أمر به المسلمون. فعليهم أن يكونوا دائما شهداء لله قوامين بالقسط، وقوامين لله شهداء بالقسط (42) . وأمروا بأن لا يجرمنهم شنئان قوم على ان لا يعدلوا (43) ، مثلا بعدم قول الحق أو بكتمان الحق. ولا شك ان كتمان الحق عند الحاجة إليه ظلم: ولا تلبسوا الحق بالباطل وتكتموا الحق وانتم تعلمون (44) . ولذلك يعتبر إقامة العدل من أهم وظائف الدولة الإسلامية. فالحكم بين الناس مشروط بالعدل، وإلا فيكون حكما جائرا ونوعا من الطاغوت الذي يجب الكفر به. فلا عدل بدون التعبير عن الرأي الصحيح وكلمة الحق. ولا شرعية لحكم وحاكم بدون تحقيق العدل.

ويجب ان تكون أبواب العدل مفتوحة لكل مواطن، بل ولكل ابن آدم دخل بلاد الإسلام ولو مؤقتا دخولا سلميا او حربيا. فالعدل والمعاملة العادلة مع الصديق والعدو سواء. ولذلك لم يتردد الصحابة والخلفاء من بعدهم في توفير كل هذه الحريات والحقوق بجميع ضماناتها لغير المسلمين الذين دخلوا في ذمة الإسلام بمسئولية المسلمين. وتدل على توفير هذه الحريات لهم معاهدات الصلح والذمة التي عملها الخلفاء الراشدون والصحابة والتابعون لهم بإحسان. فهذا كتاب عمر مع أهل إيليا- وهو المعروف بالعهدة العمرية - وما إدراك ما هي العهدة العمرية، أعطاهم أمانا كاملا على أنفسهم وعلى أموالهم وعلى مناصبهم وعلى دينهم. وهذا على بن أبى طالب يعلن أن لأهل الذمة مالنا وعليهم ما علينا.

ووفاء لهذه العهود والمواثيق كان أئمة الإسلام في مقدمة المدافعين عن حرية أهل الذمة والمعاهدين المقيمين في دار الإسلام. فهذا الإمام الأوزاعى، إمام أهل الشام، يدافع عن حرية نصارى بنى تغلب ويمنع خلفاء بنى العباس عن التعرض لهم بسوء، ولو كان ذلك التعرض لأسباب وبواعث دينية (45) . وهذا الليث بن سعد، فقيه مصر، يدافع عن حقوق غير المسلمين (46) ، وأمثالهم كثيرة. حتى في القرون المتأخرة نقرأ عن الشيخ تقي الدين السبكي والشيخ جمال الدين التركي الذين وقفوا للدفاع عن حقوق المسلمين في وجه الأمراء والملوك المسلمين (47) .

من أهم ما يضمن تحقيق الحريات المتاحة والحقوق الممنوحة في أي دولة أو مجتمع هو تحقيق المساواة الكاملة أمام القانون وفى الحقوق المدنية بين جميع المواطنين. وان لم تتوفر هذه المساواة في نظام من النظم لا يمكن فيه ممارسة حرية التعبير، أو بالأحرى القيام بواجب كلمة الحق. إن الشريعة الإسلامية ضمنت هذه المساواة الكاملة أمام القانون وفى الحقوق الإنسانية والمدنية بأسلوب يمتاز وبوضوح وتعميق وترسيخ. فأعلنت أن الناس كلهم

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت