فهرس الكتاب

الصفحة 12 من 26

فأعلن قراره عن ذلك، ولم يعترض عليه أحد من الصحابة (فكان بمثابة إجماع سكوتي على حد مصطلح الفقهاء الأحناف) . فلما خرج من المسجد لقيته امرأة عجوزة، وكلمته في ذلك، وقالت: كيف تحد أمرا لم يحده الله، بل الله سبحانه وتعالى يقول: وان آتيتم إحداهن قنطارا فلا تأخذوا منه شيئا. فان كان القنطار من المال مسموحا به مهرا للنساء فكيف تحده إلى حد أدنى من ذلك. فلما سمع هذا الكلام من المرأة قال: أصابت امرأة وأخطأ عمر، وألغى قراره (23) .

ولم يكن الصحابة والتابعون يمارسون هذه الحرية في أمور تشريعية، وفى قضايا فقهية هامة فقط، بل كانوا يعبرون عن رأيهم في الخلفاء والحكام تعبيرا صريحا صارما، حتى النساء لم يكن وراء الرجال في ممارسة حرية الكلمة. فيروى، مثلا، عن سيدنا معاوية رضي الله عنه، أنه لما حج في خلافته لقي بدار مية الحجونية، التي كانت في مقدمة المؤيدين لسيدنا على بن أبى طالب في خلافه ومحاربته ضد معاوية. فسألها: علام أحببت عليا، وأبغضتني؟ وواليته وعاديتني؟ قالت: أو تعفيني. قال: لا أعفيك! قالت: أما إذا أبيت، فإني أحببت عليا على عدله في الرعية وقسمه بالسوية. وأبغضتك على قتال من هو أولى بالأمر منك ... وعاديتك على سفك الدماء، وجودك في القضاء، وحكمك بالهوى (33) .

لاشك ان هذه الحرية بأنواعها حق من الحقوق التي جاءت بها الشريعة. ولكن ممارسة هذه الحرية لها أحكام ودرجات. فتكون ممارسة هذه الحرية مباحة في بعض الحالات العادية. ولكن الشريعة الإسلامية تقرر أن التعبير عن الرأي قد يكون مندوبا، وقد يكون واجبا على أهل الإيمان. فقد ذكرنا في ما سبق ما رواه سيدنا عبد الله بن مسعود أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: كلا والله! لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر، ولتأخذن على يد الظالم، ولتأطرن على الحق أطرا، أي تردعون وتحملونه (34) . ويتحتم هذا الواجب في حالات ترتكب فيها مخالفات الشريعة، واقتراف المعاصي علنا وجهرا. فإن السكوت في هذه الحالات يدل على رضي الساكت أو على مسامحته لمرتكبي هذه الكبائر والمعاصي. فالله سبحانه وتعالى يخبرنا بأن الكفار من بنى إسرائيل لعنوا على لسان داود وعيسى بن مريم: ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون. كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه (35) .

وذلك لأن في مثل هذه الأحوال لا معنى للسكوت إلا الرضا بالمعاصي والتسامح في أمور تمس بأسس المجتمع وقواعد الدولة. وإن لم يتقدم إناس للإنكار على هذه الجرائم ولم يأخذوا بيد الظالم والفاسق المجاهر يؤدى هذا السكوت إلى زعزعة كيان المجتمع الإسلامى القائم على مبادئ و أسس من الأخلاق وتعاليم الدين. فالمساس بهذه الأسس والنيل من هذه المبادئ هدم لقواعد المجتمع وأسس الدولة. وهذا ما لا تسمح به دولة، وما لا يتحمله نظام. وضرب النبي صلى الله عليه وسلم مثالا رائعا بليغا للدور الذي يقوم به الساكتون الذين لا يمارسون هذه الحرية الممنوحة لهم من قبل الخالق الحكيم. قال النبي صلى الله عليه وسلم:

مثل القائم في حدود الله والواقع فيها كمثل قوم استهموا على سفينة، فصار بعضهم أعلاها وبعضهم أسفلها. وكان الذين في أسفلها إذا استقوا من الماء مروا على من فوقهم. فقالوا: لو أنا خرقنا في نصيبنا خرقا ولم نؤذ من فوقنا. فان تركوهم وما أرادوا هلكوا جميعا. وان أخذوا على أيديهم نجوا ونجوا جميعا (36) .

نظرا لهذه الأهمية البالغة لممارسة واجب التعبير عن الرأي الحق كان النبي عليه السلام يبايع أصحابه على ذلك. فروى سيدنا عبادة بن الصامت يقول: بايعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم .... وعلى أن نقول بالحق أينما كنّا، لا نخاف في الله لومة لائم (37) . ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم: لمقام أحدكم في الدنيا يتكلم بحق يرد به باطلا أو ينصر به حقا

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت