5 -حرية الرأي
6 -حرية الملكية (27)
إن حرية العقيدة تقتضى أن تدعمها وتساندها حرية القول وحرية الكلمة، بما فيها حرية التعبير، وحرية الإعلام، وحرية الكتابة، وحرية البحث العلمي البناء. فلا معنى لحرية العقيدة بدون هذه الحريات المساعدة. ثم لا بد أن تكون حرية القول وحرية التعبير مدعومة بحرية الاجتماع وحرية التنظيم. لان مسئولية الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر لا تؤدى إلا بهذه الحريات. ثم إن واجبات الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر ومسئوليات التواصي بالحق والتواصي بالصبر كلها واجبات جماعية لا يمكن القيام بها والإنصاف إليها بجهود فردية. خاصة عندما نرى ونشاهد ان قوى الشر تكالبت على الأمة الإسلامية بجهود جماعية وتساندها في ذلك منظمات عالمية دولية.
ثم لحرية التعبير عن الرأي جانبان - جانب داخلي فيما بين المسلمين، وجانب خارجي فيما يتعلق بعلاقة المسلمين مع غيرهم. ففي الساحة الداخلية اعترفت الشريعة بحق التنازع والاختلاف مع الأئمة و ولاة الأمور. فعندما تأمر الشريعة أتباعها بإطاعة أولى الأمر منهم بعد طاعة الله ورسوله تسمح لهم حق المنازعة في أمور اجتهادية وفى أمور مباحة وفى مصالح مرسلة. فيقول جل وعلا: وان تنازعتم في شيء، يعنى مع أولى الأمر منكم، فردوه إلى الله والرسول (28) . وذلك لرفع النزاع وحل الخلاف في ضوء القرآن والسنة. ويدل على هذه الحرية قوله تعالى: وما اختلفتم فيه من شيء فحكمه إلى الله (29) . وتشير هذه الآيات المباركة إلى أن طاعة أولياء الأمور ليست طاعة مطلقة مثل طاعة الله ورسوله. بل الطاعة المأمور بها نحو أولياء الأمور هي الطاعة في المعروف، كما صرحت بذلك أحاديث معروفة بلغت إلى حد التواتر المعنوي (30) .
فالطاعة لأولياء الأمور مشروطة بالتزام أولياء الأمور بشرع الله. فتجب طاعتهم في كل ما يأمرون به في حدود سلطتهم وأداء واجبهم نحو الأمة. والى هذا المعنى أشار سيدنا على بن أبى طالب رضي الله عند ما قال: حق على الإمام أن يحكم بالعدل ويؤدى الأمانة، فإذا فعل ذلك وجب على المسلمين أن يطيعوه، لان الله تعالى أمر بأداء الأمانة والعدل، ثم أمر بطاعته (31) .
وهذا التنازع يشمل تنازع ولاة الأمور بعضهم مع بعض، وتنازع الرعية مع ولاة أمورهم، وتنازع العلماء بعضهم مع بعض في شئون العلم. وتصدق كلمة الشيء على كل تنازع في أي أمر يتعلق بأفراد المسلمين أو جماعتهم أو بمصالح الدولة التي يمكن فيها اختلاف الآراء ووجهات النظر. ونجد في سيرة الخلفاء الراشدين وفى سير كثير من الملوك الصالحين في القرون المتأخرة أمثلة كثيرة لاختلاف الآراء وتنازع وجهات النظر بين أولياء الأمور وبين عامة الناس. وفى هذه الوقائع أمثلة رائعة لحرية الكلمة وحرية التعبير عن الرأي. وكان الخلفاء الراشدون والملوك الصالحون يخضعون لشريعة الله ويستسلمون لحكمه بالتنازل عن رأيهم.
نكتفي هنا مثالًا بذكر ما جرى بين الخليفة الراشد عمر بن الخطاب رضي الله عنه وبين سيدة كبيرة السن من عامة الناس ردّت على الخليفة الجليل رأيه على ملأ من الناس، وأقنعته بضعف موقفه حتى بادر إلى سحب قراره فورًا بدون أي تأخير. فقد روى عدد من المحدثين وكثير من المؤرخين أن سيدنا عمر بن الخطاب عندما شاهد أن الناس يغالون في المهور أراد أن يضع لأكثر المهر حدا، ولا يسمح للناس بإعطاء أكثر من ذلك في المهور،