الصفحة 9 من 13

والمجتمع، ويقول عز من قائل في آية أخرى (الَّذِينَ إِن مَّكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنكَرِ) {الحج/41} .

فمفهوم الآيتين معا يدل على وجوب ذلك على الدولة والمعارضة ويقول أيضا (وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبرِّ وَالتَّقْوَى وَلاَ تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللّهَ إِنَّ اللّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ) {المائدة/2} فالتعاون هنا عام سواء كان بين أفراد المجتمع أم بين الأفراد ونظام الحكم، لأن في التعاون على المعروف والإحسان والاستقامة فيه الخير والصلاح والاستقرار للدولة والمجتمع، وقال جل جلاله (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلّهِ شُهَدَاء بِالْقِسْطِ) {المائدة/8} والشهادة بالقسط الذي هو العدل تمثل قمة المعارضة النزيهة كما أن على الدولة القيام بالعدل والحق بين الناس وهو من أسمى وأجل الغايات لنظام الحكم في الإسلام.

ويقرر الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم حق المعارضة للأفراد تجاه نظام الحكم حيث يقول"الدين النصيحة. قلنا لمن يا رسول الله. قال: لله ولكتابه ولرسوله ولائمة المسلمين وعامتهم" [1] .

أما إذا تجاوز الحاكم حده، وضرب بالعدالة عرض الحائط، وأخذ يظلم الناس فهناك يجب على الأمة أن تحاسبه وتأخذ على يده لتكفه عن الظلم واستعمال التعسف، وإلا فإن الأمة تكون واقعة تحت عذاب الله وعقوبته، كما جاء ذلك في الحديث الشريف"أن الناس إذا رؤوا الظالم فلم يأخذوا على يديه أوشك أن يعمهم الله بعقاب منه" [2] .

وهذا ما أدركه الخليفة الأول أبو بكر الصديق عندما قال في أول خطبة له"أيها الناس أني قد وليت عليكم ولست بخيركم، فإن أحسنت فأعينوني وإن أسأت فقوموني" [3] .

وكان الخليفة الثاني عمر بن الخطاب، كثيرا ما يقول ويأمر أصحابه بإبداء آرائهم حول أسلوب حكمه، بل كان يسره ذلك ويرتاح إليه، ألم يقل له أحد الناس قائلا؟ إن رأينا فيك اعوجاجا قومناه بسيوفنا، وألم تعترضه امرأة في صدقات النساء، فما كان منه إلا أن قال للرجل: الحمد لله الذي قيض في الأمة من يقوّم عمر بالسيف، وقال للمرأة، أصابت امرأة وأخطأ عمر.

ولا ريب أن من نتائج الحرية السياسية، حرية التعبير، كما سنذكرها في الفقرة التالية.

حرية التعبير، الإطار العام

التعبير مصدر عبرّ وعَبرَ أي فسر، فاصل الكلمة عبر، وهو يعني التفسير والانتقال من مكان إلى آخر، وعليه فإنه يمكننا أن نعرف التعبير بأنه الاستطراد في الكلام تفسيرا والانتقال به من موضوع إلى آخر.

وحرية التعبير بهذا المفهوم هي الإطار العام لجميع أنواع الحريات التي ذكرناها، كالحرية الشخصية والحرية العقدية والحرية العلمية والحرية الفكرية والحرية السياسية.

فحرية التعبير تشملها وتتناولها جميعا، ولا شك أن تلك الحريات يترتب بعضها على بعض، ففي رأيي أن الحرية الشخصية تترتب عليها الحرية الدينية والحرية الدينية تترتب عليها الحرية العلمية والحرية العلمية يترتب عليها الحرية الفكرية، والحرية الفكرية تترتب عليها الحرية السياسية والحرية السياسية تترتب عليها حرية التعبير، لأن هذه الحريات آخذ

(1) . ... رواه مسلم.

(2) . ... رواه أبو داود والترمذي.

(3) . ... السيوطي، تاريخ الخلفاء، ص 690.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت