بعضها بحجز البعض الآخر إذ لا يمكن أن تأتي دفعة واحدة وإنما هي تراتيب وأولويات لابد منها في التطور الاجتماعي والسياسي.
ضوابط حرية التعبير
خلق الله الإنسان ولم يجعله هملا، وإنما أرسل إليه الرسل وانزل معهم الكتب (لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ) {الحديد/25}
لتنضبط أعمال الناس وتحركاتهم في الحياة وفق أحكام الكتب الربانية، وفي إطار هذا الميزان القسطاس لكي يتعامل الناس بالعدل في علاقاتهم فيما بينهم وفي جميع شؤونهم.
وحرية التعبير في الإسلام ليست انفلاتا وإنما هي محكومة بالضوابط الشرعية، لقول الله تعالى (وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا) {البقرة/83} ، ولا شك أن حسن القول وكذلك حسن الفعل هو ما يسر به الطرف الآخر، ولا يؤذيه أو يجرح مشاعره ويحطم أحاسيسه، فالله تعالى يقول (وَأَحْسِنُوَا إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ) {البقرة/195} .
فالإحسان يحبه الله في كل شيء، ولكل مخلوق، لذلك يقول النبي عليه الصلاة والسلام"أن الله كتب الإحسان في كل شيء" [1] في الإنسان وفي الحيوان، ويقول النبي الكريم صلى الله عليه وسلم لمعاذ بن جبل"واتبع السيئة الحسنة تمحها، وخالق الناس بخلق حسن" [2] .
والخلق الحسن يتمثل في القول والفعل، وخطاب الله للصحابي أو لمجموع الصحابة هو خطاب للأمة جمعاء.
وقد أمر الله نبيه محمدا صلى الله عليه وسلم أن يدعو الناس بالحكمة والموعظة الحسنة والمجادلة الحسنه (ادع إلى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ) {النحل/125} لتكون العلاقة ملفوفة بالاحترام المتبادل الناتجة عن القول الصائب البعيد عن الافتراء والمغالطات، وإذا ما ترفع عن الإساءة والشتيمة.
وكذلك فإن الله عز وجل نهى المسلمين أن يسبوا غير المسلمين حتى لا يسب أولئك القوم الله جل جلاله (وَلاَ تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللّهِ فَيَسُبُّوا اللّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ) {الأنعام/108}
والآية هنا ليس فيها مفهوم مخالفة بمعنى أن أولئك الكفار إذا لم يسبوا الله عز وجل حينذاك يجوز سبهم، وإنما الغالب من أمرهم المسارعة إلى سب الذات الإلهية.
فلذلك نهى الله المسلمين عن السب، تقديسا وتنزيها لله عز وجل. إذن حرية التعبير في الإسلام مضبوطة بهذه الضوابط من الكتاب والسنة، وكذلك - ولا شك - الديانات الربانية الأخرى قبل تحريفها تخرج هي والإسلام من مشكاة واحدة، لأن مصدرها واحد، هو الله عز وجل، وموردها واحد ألا وهو نبوة ورسالات الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام ليتحقق العدل في دنيا الناس ويرتفع عنهم الظلم.
وكما أن الإسلام ضبط حرية التعبير فإن القوانين الدولية بل والقوانين المحلية هي الأخرى، لها ضوابطها حول توجيه حرية التعبير، حتى لا تسيء إلى الأديان ولا تؤذي الآخرين. فقد جاء في المادة الثانية من العهد الدولي للحقوق السياسية والمدنية"أنه تحضر"
(1) . ... رواه مسلم في صحيحه، واحمد، وأبو داود، وابن ماجه، والترمذي، والنسائي، وغيرهم.
(2) . رواه احمد والبطراني.