الصفحة 8 من 13

لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْهَا صُمًّا وَعُمْيَانًا) {الفرقان/73} وما ثناء الله عليهم إلا لما حصل لهم من تقوية إيمانهم بالله نتيجة استعمالهم فكرهم الذي قادهم إلى وحدانية الله تعالى وعظمته وقدرته إلى غير ذلك من الصفات الواجبة في حقه تعالى جل جلاله.

وهكذا تقود حرية الفكر إلى النتيجة الصحيحة، بعد وجود مقدمات صحيحة، وصحة تلك المقدمات، خلو البيئة المحيطة من المفاهيم المغلوطة، والضغوطات المنحرفة، ويفهم ذلك التحرر من تلك المقدمات الفاسدة، مما أمر الله به عبده ونبيه محمدا صلى الله عليه وسلم في قوله (قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُم بِوَاحِدَةٍ أَن تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِكُم مِّن جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ لَّكُم بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ) {سبأ/46} .

وعندما ذكر الله في كتابه الكريم ملكة سبأ وما كانت عليه من الكفر، اعتبر ذلك من مسببات البيئة الاجتماعية التي كانت فيها. (وَصَدَّهَا مَا كَانَت تَّعْبُدُ مِن دُونِ اللَّهِ إِنَّهَا كَانَتْ مِن قَوْمٍ كَافِرِينَ) {النمل/43} .

وعلى كل حال فإن التفكر الصحيح تكون نتيجته صحيحة فيها الخير والمنفعة يقول مصطفى الرافعى:"إن الإسلام منح المسلمين حرية الفكر في جميع المعقولات والتصورات والتصديقات، بل وأوجب على إنسانة المسلم ان يواظب على التفكير في كل ما ينفع نفسه وينفع غيره، وفيما يقي الناس جميعا الضرر والأذى، فالحكمة ضالة المؤمن أينما وجدها التقطها" [1] .

ولا شك أن حرية الفكر تقود صاحبها إلى الحرية السياسية التي سنتحدث عنها في الفقرة التالية، ولعلى لا أكون مبالغا إذا قلت إن جميع الحريات الآلفة الذكر كلها تترتب عليها الحرية السياسية التي بدورها تنبني عليها حرية التعبير، وفضاء القول، وفسحة الكلام.

-الحرية السياسية:

هي احترام رأي الفرد في الحكم بحيث لا تضيع شخصيته في شخصية الحاكم، بل يكون لرأيه سلطانه فيما يراه ولو تعلق بشخص الحاكم نفسه، فيكون له الحق في معارضه إسناد الحكم إليه وفي نقد أعماله بالوسائل النزيهة في النقد [2] .

على أن الحرية السياسية محورها حق المحكوم في المعارضة وعلى الحاكم أن يتقبل الرأي المعارض شريطة أن يكون الرأي المعارض موضوعيًا منسجمًا مع منظومة العلاقة بين نظام الحكم والرعية على حد تعبير المثل القائل إذا أردت أن تطاع فاطلب ما يستطاع.

وحق الرأي المعارض قرره الله في كتابه الكريم، حيث يقول عز من قائل (وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يدعون إلى الْخَيْرِ وَيَامُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) {آل عمران/104} .

فهذا أمر لكل فرد مؤهل أن يدعو إلى ما فيه الخير والصلاح للإنسانية، ولا نريد هنا أن نخوض أو نذكر الخلاف حول كلمة"منكم"في كونها للتبعيض أو للبيان، فعلى أي المعنيين، يجب على كل فرد مؤهل للقيام بذلك أن يمارس النصح والتوجيه والإرشاد في المجتمع بجانب الدولة وفي إطارها ونظامها بما يتماشى مع النظام العام للدولة والمجتمع، والله تعالى رتب الفلاح والنجاح في آخر هذه الآية الكريمة على ذلك السلوك الراقي للدولة

(1) مصدر سابق.

(2) عبد المقال الصعيدي، حرية الفكر في الإسلام، ص12.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت